أوسكار 2019- Green Book.. فيلم تقليدي محكم الصنع

أوسكار 2019- Green Book.. فيلم تقليدي محكم الصنع

| في آراء،سينما وتلفزيون،المجلة،أوسكار 2019 تاريخ النشر: الثلاثاء ، 12 فبراير 2019 - 17:47 | آخر تحديث: الخميس ، 21 فبراير 2019 - 17:19
فيلم Green Book فيلم Green Book
خلال الشهور القليلة الماضية، ارتبط فيلم Green Book لبيتر فاريلي بشيئين يترددان ما أن يذكر اسمه بين متابعي المهرجانات وحفلات الجوائز المختلفة. أولهما أنه واحد من الأفلام التي تتناول العنصرية في أمريكا بشكل مباشر ممهدة طريقها إلى ترشيحات الأوسكار، والثاني أنه من أمتع أفلام العام بالرغم من تقليدية فكرته وتوقع نهايته.

فاريلي الذي اشتهر وشقيقه بصناعة أفلام كوميدية على مدار تاريخهما السينمائي مثل Dumb and Dumber وMe, Myself & Irene، قرر تولى إخراج الفيلم الجديد بمفرده مقدما قصة مستوحاة من أحداث حقيقية وقعت في بداية ستينيات القرن الماضي، حيث كان هناك ما يعرف بـ"الكتاب الأخضر"، الذي يحدد للمسافرين الملونين قائمة بالأماكن المخصصة لهم، حتى لا يتعرضون للاضطهاد والعنف الذي يصل حد القتل.

سيناريو الفيلم يعد نموذجا مثاليا لنوعية أفلام الطريق التي اشتهرت بها صناعة السينما الأمريكية. بداية من الاعتماد على البطولة الثنائية، فنحن أمام رجلين يخوضان رحلة خطيرة في إطار جولة موسيقية مدتها 8 أسابيع متنقلين بين ولايات الجنوب الأمريكي الأكثر تعصبا ضد الملونين، أحدهما سائق أبيض اللون يدعى توني ليب (فيجو مورتنسن)، والثاني عازف بيانو أسمر البشرة يسمى دكتور دون شيرلي (ماهرشالا علي)، تجمعهما المنفعة المتبادلة التي تتحول مع مرور الوقت إلى صداقة قوية فريدة من نوعها.

كتاب أخضر

يرتكز الفيلم مثل غالبية أفلام الطريق على التناقض بين البطلين، الذي يقوم عادة على الفرق بين الجموح والاستقامة، كما يشير ديفيد ليدرمان في كتابه "رؤى القيادة، استكشاف فيلم الطريق". توني رجل قوي البنية، يعمل في الأساس حارسا داخل الملاهي الليلية، ويشتهر بقدرته على حل المشاكل مستخدما العنف في أغلب الأوقات. لا يحسن التصرف بلياقة وتميل لغته إلى السوقية. أما شيرلي ينتمي إلى عالم مختلف تماما، فهو رجل مثقف يتمتع بمظهر أنيق متحفظ، يتحدث بطريقة مهذبة، ولا يورط نفسه في أزمات طائشة. الأول يمقت الملونين ويحتقرهم، والثاني يحاول إحداث فارقا في المجتمع متخليا عن كافة الصور النمطية المرتبطة ببني لونه.

من لحظة اجتماعهما الأولى يبدو الأمر وكأنهما متبادلان الأدوار، فالمعتاد في هذه الفترة الزمنية أن يكون الأسود هو الخادم والأبيض هو رب العمل، لكن في حالتهما الأوضاع معكوسة. يتضح ذلك من خلال وسيلة التنقل التي يستقلانها، فهي من الأضلاع الثلاثة التي تقوم عليها أفلام الطرق، وقد تم توظيفها في الفيلم بطريقة ذكية. فالسيارة توضح شكل العلاقة بينهما منذ البداية عندما كان توني مضطرا للرضوخ لأوامر شيرلي أثناء القيادة، ومجبرا على فتح الباب له، وتولى مسؤولية إصلاح الأعطال دون مساعدته، وسط نظرات ذهول تعلو وجوه المحيطين بهم. حتى الوصول إلى النهاية حينما تبادلا المقاعد ليحصل السائق على قسط من الراحة، فيما يقود عازف البيانو محاولا مساعدته في قضاء ليلة الكريسماس مع عائلته.

تميز الفيلم يأتي من تطور علاقة البطلين خلال رحلتهما على الطريق، مع مرورهما بمجموعة من المواقف المتباينة يتخللها لحظات مرح وآلم وغضب أحيانا. فالطريق الذي يعد الضلع الثالث في هذه النوعية من الأفلام ساعدهما على تبادل الخبرات، ودفعهما إلى المكاشفة ومشاركة المعاناة بعيدا عن زيف المظاهر وحواجز المجتمع العنصري، فبانت هشاشة روحيهما وتجلت إنسانيتهما ومدى حاجتهما لبعضهما البعض ماديا ومعنويا، حتى أصبحا يشكلان ثنائي يقف في مواجهة نظام بأكمله يفرق بين الأشخاص على حسب اللون.

كتاب أخضر

تتكرر في الفيلم العديد من مواقف العنصرية التي تضمنتها الكثير من الأفلام، وبالطبع يتم التشدق بألفاظ مهينة للملونين، فتبدو معادة وفاقدة للإثر الذي من المفترض أن تتركه في نفس المشاهد. لكن يتم استغلالها على اعتبار أنها مرآة يرى فيها توني سلوكياته السابقة المهينة للسود التي ورثها عن بني لونه دون تفكير. وتدريجيا يبدأ في رفض الظلم الواقع على شيرلي، وتشجيعه على مقاومته. والعكس صحيح، يكتشف شيرلي أنه يتنازل كثيرا حتى ينال قبول الرجل الأبيض، فيقرر الاعتراض على المعاملة الدونية، مستمدا القوة من صديقه السائق. صحيح أن الأمر بدى في النهاية وكأن الرجل الأبيض هو البطل المنقذ الذي استطاع حماية الأسود وانتفض من أجله، لكن حاول صناع الفيلم تبريرها في إطار أن الأضعف يحتاج إلى مساندة الأقوى.

ينافس Green Book على خمس جوائز أوسكار منها أفضل فيلم وأفضل نص سينمائي أصلي، وقد يكون أمامه فرصة جيدة للتتويج بالجائزة الكبرى، خاصة مع توقع كثيرون أن يكون مصيره مثل فيلم Driving Miss Daisy لبروس بيريسفورد إنتاج عام 1989، الفائز بأربع جوائز أوسكار من بينها أفضل فيلم. لماذا هذا الفيلم على وجه الخصوص؟ نظرا لوجود تشابهات بين الفيلمين. فيلم بيريسفورد يركز على علاقة صداقة تتطور على مدار السنوات بين سيدة يهودية عجوز صاحبة بشرة بيضاء، وسائق أسود غطى رأسه الشيب، كانت معارضة لوجوده في البداية وتزعجه بطبعها الحاد، ثم تأنس وجوده، ويصبح صديقها الوحيد. فيما تبقى التغيرات التي يشهدها الجنوب لمواجهة العنصرية في خلفية الأحداث تؤثر على شكل علاقتهما وتكشف مدى تعقيدها. بالفعل تبدو القيادة والصداقة والعنصرية عوامل مشتركة بين الفيلمين، فضلا عن الأداء الاستثنائي من قبل الممثلين الأربعة، لكن الفرق الأوضح أن بيتر فاريلي قدم فيلما مباشرا في أفكاره وجريئا في حواره أما بيريسفورد ابتعد عن المباشرة قدر الإمكان وركز على المواقف البسيطة التي نمت العلاقة بين الشخصيتين.

يبقى Green Book فيلما محكم الصنع يثير الكثير من المشاعر عند مشاهدته، ببساطة وعذوبة شديدة دون حاجة للادعاء أو تصنع تكنيك سينمائي معين يكسبه أهميته. يمتعك على مدار ساعتين بحالة الانسجام بين بطليه وحواراتهما خفيفة الظل والجادة، مصحوبا معهما في رحلة تذكرك أن التعرف على الآخر قد يغير نظرتك تجاهه، بينما تقبله واستيعاب اختلافه عنك يغير العالم.

اقرأ أيضًا:
11 فيلما عن أحداث وشخصيات حقيقية في أوسكار 2019.. تعرف عليها


هل نتائج البافتا تؤثر على جوائز الأوسكار؟ فرص أفضل فيلم وفئات التمثيل الأربعة

comments powered by Disqus

أمل مجدي

2/21/2019 5:19:04 PM

https://www.filfan.com/

2004-2018 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"