محمد منير "حدوته مصرية".. مابتنتهيش

تاريخ النشر: الأحد، 3 مارس، 2019 | آخر تحديث:
محمد منير

رغم أنني واحد من عشاق الفنان محمد منير، فإنني -للأسف- متغيب عن حفلاته لفترة طويلة قد تتجاوز الـ10 سنوات، لأسباب كثيرة منها مشاغل الحياة وتأجيل حفلاته في فترة من الفترات لأكثر من مرة، أو إقامتها في أماكن بعيدة لا تسمح الظروف بحضورها.

ومؤخرا تلقيت دعوة لحضور حفله الذي أقيم في منطقة القاهرة الجديدة وتحديدا في "فاملي بارك"، ولسبب ما قررت حضور الحفل رغم أني أعتذر عن أغلب الدعوات التي توافق يوم "الجمعة"، الذي يمثل بالنسبة لى يوما عائليا مقدسا، وأفضل قضائه مع أسرتي، ولكن كسرت هذه القاعدة وتوجهت إلى الحفل.

وبمجرد اقترابي من مكان إقامة الحفل وملاحظة الكم الكبير من السيارات والجماهير المتوجه للحفل، استرجعت ذكريات حفلات الـ"كينج" القديمة، وحالة السعادة والانبهار بالوجود في نفس المكان مع الفنان المفضل لي، والاستماع لأغنياته التي حفظتها عن ظهر قلب بسبب حبي له.

وفور دخولي الحفل، شعرت بنفس إحساس اللهفة والاشتياق لسماع صوته وترديد أغنياته وسط الحضور، الذين تشعر وسطهم بأنك وسط عائلة واحدة كبيرة، لديها نفس المشاعر ونفس اللهفة ونفس الرغبة على مدار السنين، للالتفاف حول كبيرها (منير).

فضلت ترك الجلوس في المنطقة المخصصة للشخصيات الهامةVIP ، وتوجت لمنطقة الجمهور للوقوف وسطهم وكأنه احساس بالرغبة في الذوبان بينهم والاندماج معهم في كل ما يقومون به، لاسترجاع حالة وشعور الحفلات التي كنت أحضرها، ولأني حضرت الحفل بمفردي ولا يوجد معي من أتشارك معه في ذكرياتي مع الأغاني أو يشجعني على ترديدها بصوت عال مع منير كما يفعل جمهوره.

المفاجأة أني التقيت بعدد من أصدقائي العاملين في المجال الموسيقي والقائمين على الحفل وإقامته، والذين سمحوا لي بالتواجد معهم على المسرح والاستمتاع بالحفل من أقرب نقطة لمطربي المفضل محمد منير، وبالفعل جلست معهم أمام معداتهم وهم يباشرون التحضيرات النهائية للحفل للاطمئنان على كافة التحضيرات قبل بدء الحفل.

بعدها جاءت اللحظة التي انتظرتها طويلا، وهي وصول منير ليصعد على المسرح ويبدأ فقرته الفنية، وبالفعل صعد بجانبي ووقف على المسرح أمامي مباشرة ووجه حزين مهوم ولم تسبقه فرقته كما يفعل في كل حفلاته ووقف ساكنا مع فرقته دون أن ينطق بحرف في مشهد درامي غريب لم يفهمه الكثيرون، وبعدها تفهم الجميع أنها (دقيقة حداد) على أرواح الشهداء الذي سقطوا في حادث قطار محطة مصر منذ أيام، ليبدأ بعدها حديثه مع الجمهور عن أن هذه سنّة الحياة، وأن المشاكل التي يواجهها الوطن سببها الجهل، والجيل القادم هو من سيوقف كل هذا ويواجهه بالعلم، وأن الحياة يجب أن تستمر ويبدأ الحفل بأغنية "يا عروسة النيل" وتزيد معها الصيحات والهتافات.

وتتولى بعدها الأغاني من منير أغنية تلو الأخرى، ومعها تتزايد الصيحات ويعلوا الصوت وتشعر بالاندماج أكثر وأكثر، وتعود لأذهاني الذكريات ووجودي وسط الجمهور أغني معهم وأصرخ معهم وأتفاعل معهم مع كل حرف وكل جملة موسيقية، وأردد الأغاني بمجرد الاستماع إلى اللازمة الموسيقية، وقبل أن يغني منير نفسه.

ومن على المسرح بدأت أتابع وجوه الحاضرين واتفحصها، ووجتني أعرفهم جميعا، والحقيقة أني لا أعرف أحد منهم، هي نفس الوشوش المكرره عبر الزمان، نفس التعبيرات، نفس التفاعل، نفس الأصوات، ولكن من شخصيات جديدة ومختلفة تتجدد مع السنين ويظل المضمون واحدا.

ستجد بين الحضور المجموعة التي جاءت لتحضر الحفل وتتفاعل بالغناء بالصوت العالي وكأنها تفجر الطاقة التي بداخلها مع أغاني منير، والشاب الأسمر الذي اعتبر نفسه نسخة مصغرة من منير وقرر أن يقلده في لبس وتصفيفة شعره وطريقته في الغناء، والآخر الذي صعد على كتف أصدقائه لكي يظهر لمنير حبه له، والفتاة التي ظلت تنظر له وكأنه يغني لها فقط، دون أن تشعر بمن حولها.

على الرغم من تقدمه في السن، وظهور علاماته عليه، لم يتغير منير، هو منير بقوته وسيطرته على أركان المسرح، هو منير الذي يعرف جيدا متى يحفز جمهوره، ومتى يسكتهم ليستمعوا له حين يرغب في الحديث إليهم ونصحهم، فهو الأب والصديق والنجم والمطرب المفضل لهم، والذي يستطيع أن يؤثر عليهم في أي لحظة.

وحتى مع فرقته الموسيقى لازال منير يداعبهم ويضحك معهم كعادته، ويعطي كل منهم فرصته لإظهار أحلى وأجمل ما عنده، فهي لسيت حفلته وحده، هي حفلتهم جميعا معا.

وهذه المرة شاهدت منير وهو ينهي حفلته بطريقة مختلفة، وكأنه يودع الجمهور فردا فردا وينظر في أعينهم جميعا ويشكرهم على الحضور، وهي نفس النظرة التي ودع بها فرقته أيضا، وكأنه لا يريد أن يترك أمتع لحظاته ومصدر سعادته وهي التي يلتقي فيها مع الجمهور، لينزل بعدها من على المسرح.

منير حالة فنية من الصعب تكرارها، حالة تتجدد مع السنين، وتجذب لها المريدين طوال الوقت، منير "حدوته مصرية" مابتنتهيش، في كل مرة ستجد فيها راحتك، وسيتجدد معها حنينك.