"بلاش تبوسني".. فيلم مغامر تحتاجه السينما المصرية

تاريخ النشر: السبت، 3 مارس، 2018 | آخر تحديث: السبت، 3 مارس، 2018
فيلم" بلاش تبوسني"

تعاني صناعة السينما المصرية عددًا من الأمراض المزمنة، أخطرها على الإطلاق مرض الالتزام بالسياق العام ومواكبة التوقعات والظروف السائدة. نقول أنه المرض الأخطر لأنه الوحيد الذي يجمع الصناعتين السائدة والمغايرة، ربما لارتباطه بآليات الإنتاج والتوزيع التي تدفع صناع الأفلام للتفكير في مشروعاتهم بصورة تضمن لها الخروج للنور، سواء عن طريق الالتزام بأجندة موضوعات وطريقة معالجة تُرضي جهات الدعم، أو بشكل ومضمون مناسب للسوق المحلي وأصحاب القرار فيه: منتجون، نجوم، موزعون، وقنوات فضائية.

هذا المرض هو ما جعل معظم الأفلام تتشابه في مرحلة بعينها، فنعيش موجة لأفلام الكوميديا لنجاح حققه أحد الأعمال، ثم ننتقل لموجة من الأكشن عندما ترتفع بورصة النوع، أو تصير كل الأعمال مرتبطة ولو من بعيد بالثورة لأنها موضة المرحلة وموضوعها الساخن، وهكذا.
الحالة نفسها هي التي جعلت فكرة ساذجة سخيفة مثل السينما النظيفة تصير مع الوقت أمرًا واقعًا رغم منافاتها لأبسط قواعد المنطق قبل الإبداع، وجعلتنا اليوم ـ بعد أعوام من انقضاء موجة الحديث عن السينما النظيفة ـ نعيش وضعًا عجيبًا تُنتج السينما المصرية فيه ما يزيد عن الأربعين فيلمًا كل عام، لو احتوى واحد أو اثنان منها على قبلات يصبح عامًا جريئًا، بعد أن بات على المخرج إن أراد أن يضم فيلمه قبلة ولو بين زوجين، أن ينطلق في اختياره لأبطاله من هذه الرغبة قبل التفكير في أي معايير أخرى كالموهبة والملائمة للدور.

صانع أفلام مغامر ومغاير

فيما سبق تكمن قيمة فيلم "بلاش تبوسني" المعروض حاليًا في الصالات المصرية، أول أفلام المخرج أحمد عامر وثاني أعماله مؤلفًا بعد "علي معزة وابراهيم" الذي عُرض قبل قرابة العام. الفيلمان اللذان يمكن أن نقيمهما معًا باعتبارهما بادرة تعارف مع صانع أفلام مغاير ومغامر، تقترن عنده الرغبة في التجريب على مستوى الشكل، مع ميل واضح للخروج عن القطيع، عدم الالتزام بالسياق، والبحث عن صياغات خاصة بصانعها، قد لا تقترب من الكمال، لكنها حتمًا تبعد عن التكرار وإعادة تدوير الأفكار والأشكال.

يجمع الفيلمان ثلاث سمات واضحة في اختيار الموضوع وطريقة المعالجة، مع ملاحظة أننا ننسب الفيلمين هنا لمؤلفهما أحمد عامر لأن الخيارات المقصودة تتعلق أساسًا بالنص، دون أن نهمل الإسهام الواضح لشريف البنداري مخرج "علي معزة وابراهيم"، والد المشروع الروحي وصاحب نسبه الأول.

السمات الثلاث التي سنتعرض لها بالتحليل، مع التركيز بالطبع على "بلاش تبوسني" الفيلم الأحدث وموضوع المقال، هي على الترتيب: مواجهة السياق الفكري، التجديد في الشكل السردي، وحلم التواصل مع الجمهور. سمات صنعت تجربة خاصة جدًا كما سنرى.

أولًا: مواجهة السياق الفكري.. بلاش تبوسها

يأتي "بلاش تبوسني" وسط الوضع الذي ذكرناه حول نظافة السينما حتى بعد أن انفض مولد السينما النظيفة. توقف الحديث عنها لكن آثارها صارت حقيقة واقعة. بعض الكتابات ربطت بين أزمة بطل الفيلم المخرج الشاب (محمد مهران) الذي تقرر بطلة فيلمه فجر (ياسمين رئيس) فجأة ألا تصوّر المشهد الرئيسي في الفيلم بسبب احتواءه على قبلة، وبين واقعة حقيقية جرت عندما قررت الممثلة المعتزلة حنان ترك أن تكمل تصوير آخر أفلامها "أحلام حقيقية" مرتدية الحجاب.

حسنًا، قد توجد أصداء للحكاية بالفعل، لكن الأمر أكبر من مجرد واقعة لممثلة معتزلة اختارت الخروج من الأضواء، الأمر يتعلق باللحظة الراهنة والنجمات الحاليات اللاتي يعشن النجومية ويجنين ثمارها. من بخلاف منة شلبي وهنا شيحه من نجمات الصف الأول حاليًا وافقت خلال السنوات العشر الأخيرة (وأحيانًا طوال مسيرتها المهنية) أن تؤدي متطلبات مهنتها في دور يتضمن أداء قبلة؟ بل نزيد الشعر بيتًا ونقول أن بطلة الفيلم ياسمين رئيس نفسها، لو كان من الضروري أن تؤدي القبلة الوحيدة التي يضمها "بلاش تبوسني" أمام ممثل آخر غير زوجها المخرج هادي الباجوري، هل كانت لتوافق؟ في ظني أن اختيار الباجوري تحديدًا للظهور في لقطة قد يؤديها أي كومبارس وسيم كفيل بالإجابة عن السؤال.

النجمة هند صبري اعترفت في مؤتمر تكريمها بمهرجان القاهرة الأخير إنها اتخذت قرارًا واعيًا بالتوقف عن أداء مشاهد وأدوار بعينها لاعتبارات شخصية وأسرية. اعتراف جاء على لسان واحدة من أكثر ممثلي الجيل ثقافة ووعيًا بأسس عملها وأخلاقياته وقواعده المهنية ليكشف عن حجم التصحر الحضاري الذي تعيشه صناعة يهديها فيلم "بلاش تبوسني" تحية بالغة العذوبة، بفوتومونتاج يجمع عدد ضخم من أجمل وأرق القبلات في تاريخ السينما المصرية، قامت بأدائها نجمات عظيمات لا يجرؤ شخص على أن يكيل لهن أي إساءة أخلاقية. نجمات تتفنن نجمات اليوم في الحديث عن التأثر بأعمالهن، بينما تحجمن عن الاقتراب ولو قليلًا من خياراتهن.

لاحظ أننا نتحدث هنا عن فعل بسيط ورقيق مثل القبلة التي كانت قديمًا نهاية متوقعة لغالبية الأفلام، ليس عمّا هو أجرأ أو أكثر تحديًا لقدرات الممثلة. لذا نقول أن "بلاش تبوسني" يأتي مخالفًا للسياق الفكري الحاكم للصناعة والمجتمع معًا، يلقي حجرًا في ماء راكد ويذكّر الجميع بتاريخ عريق لصناعة سحرت الملايين، تم تقليم أظافرها وإلباسها ثوبًا محافظًا بالقوة والابتزاز المتراكم. فيلم غير مريح لكثيرين من المتشدقين بحب الفن والسينما بينما يحملون داخلهم احتقارًا لها، أو على أقل تقدير أحكامًا أخلاقية واستعلاءً على ممارسيها. فيلم لن يغير شيئًا من قناعات المتطرفين لكنه صالح لكشف من يدعي الوسطية والتفتح أمام نفسه.

"بلاش تبوسني" هنا يستكمل ما بدأه "علي معزة وابراهيم" من خوض موضوعات غير مطروقة، قد يراها البعض هامشية أو غير ملائمة لأولويات اللحظة (ما رأي المخرج محمد فاضل ولجنته مثلًا في مناقشة وجود القبلات في الأفلام؟). وكما أن للصناعة السائدة موضات وسياقات وأحكام عامة، فالصناعة المغايرة وعالم المهرجانات لديه أيضًا أجندة اهتمامات اجتماعية وسياسية ليس من بينها حب شاب لمعزة أو رفض ممثلة لقبلة، لذا فحضور "بلاش تبوسني" مثل "علي معزة وابراهيم" في عالم المهرجانات كُتب عليه من البداية أن يكون محدودًا، هامشيًا، يحتفي به محبو السينما لا القضايا، لانحياز العملين لمناقشة هموم صناعهما وأفكارهما، لا الهموم والأفكار التي ينتظرها الآخر منهم، سواء كان هذا الآخر مهرجان كان أو جمهور سينما مترو.

ثانيًا: التجديد في الشكل السردي.. تسجيلي زائف

قيمة "بلاش تبوسني" لا تتوقف على موضوعه، بل الأهم هو الشكل الذي اختار أحمد عامر أن يُقدم الموضوع خلاله، وهو الضلع الثاني لرغبته في التجديد والتجريب في الأشكال السردية. كما جمع "علي معزة وابراهيم" بين أشكال فيلم الطريق والفانتازيا والواقعية السحرية لبطلي ضد anti-hero، يستخدم "بلاش تبوسني" قالبًا لا أذكر حضوره مسبقًا في أي فيلم مصري روائي طويل وهو الفيلم التسجيلي الزائف أو ما يُعرف بالموكيونتري mockumentary.

الموكيومنتري هو عمل فيلم روائي بحيث يتم تصويره وإخراجه بطريقة الفيلم التسجيلي، ليعطي مشاهده شعورًا بأنه يشاهد عملًا وثائقيًا عن موضوع حقيقي، بينما الموضوع برمته من وحي خيال المؤلف. لا شبهة خداع بالطبع فالجمهور يعرف أنه يشاهد فيلمًا خياليًا، لكنه شكل ذكي يخلق مزيدًا من التفاعل مع الحكاية، ويسمح بهامش من الحرية لأن يدرج صانع الفيلم مقابلة مثلًا أو مادة أرشيفية أو غيرها من العناصر المميزة للفيلم التسجيلي.

النوع تعود جذوره للثلاثينيات عندما قدم أورسون ويليز دراما إذاعية بعنوان "حرب العوالم The War of the Worlds" سببت ذعرًا لبعض مستمعيها بسبب طريقتها التي حاكت نشرات الأخبار وأوحت بوجود حرب حقيقية. لكن الموكيومنتري بدأ يصير شكلًا فيلميًا معروفًا ومطروقًا منذ الثمانينيات، وبالتحديد منذ أن قدم المخرج وودي آلان فيلمه الساخر "زيليج Zelig" على نفس الشاكلة، ومؤخرًا صار الشكل مألوفًا في أفلام كوميدية أبرز صناعها ساشا بارون كوهين الذي استخدم الموكيومنتري في أفلام مثل "بورات Borat" و"برونو Brüno". أما في مصر فقد اقتصر حضور النوع ـ حسب ذاكرتي ـ على فيلم قصير للمخرج هاني مصطفى بعنوان "بيسفول لايف.. شركة الموت المريح".

أحمد عامر يوظف الشكل بذكاء مشهود في "بلاش تبوسني"، عبر حكي الفيلم من وجهة نظر كاميرا في موقع تصوير الفيلم موضوع الأزمة، كان من المفترض أن تصوّر كواليسه قبل أن ترصد المشكلة بين المخرج والبطلة حول مشهد القبلة. ليؤسس الخيار بدوره لسرد متداخل، فبدلًا من الفيلم داخل فيلم المعتاد في أي فيلم عن السينما film about film، يصبح لدينا فيلم داخل فيلم داخل فيلم، فهناك "بلاش تبوسني" الفيلم الرئيسي، داخله الفيلم الذي يصوره البطل وتلعب بطولته البطلة، داخله الفيلم التسجيلي عن كواليس التصوير ومشكلة القبلة.

هذا التداخل خفيف الظل يتسبب في تراكب شعورين لدى الجمهور: الشكل التسجيلي من جهة يوحي بالواقعية لا سيما مع توظيف ظهور بالغ الطرافة للمخرجين الكبيرين خيري بشارة ومحمد خان بشخصيتهما الحقيقية لإسداء النصح للمخرج الشاب، ومن جهة أخرى يكسر الإيهام الفيلمي المعتاد، فتصير مشاهدة الفيلم فعلًا يحدث من خارج الفيلم لا داخله، نشاهد الشخصيات ونضحك على ما يحدث لها، ونفكر في الوقت عينه بالموضوع والتغير الذي وقع للمجتمع المصري وصناعة السينما بين جيل يمثله خان وخيري ووالدة البطل (سلوى محمد علي في دور رقيق وطريف)، وجيل المخرج الشاب وبطلته المتخبطة، مع توجيه أصابع الاتهام لأفكار بعينها، ولمن استجابوا لهذه الأفكار وقت أن كانت غير مألوفة فمنحوها شرعية، وتمثلهم هنا الممثلة المعتزلة سوسو (سوسن بدر).

أي أن أحمد عامر يجمع في فيلمه بين جرأة الموضوع وخروجه عن منظومة الأفكار والقيم السائدة، وبين التجديد في الشكل الفيلمي، والمقترن باهتمام واضح بالتفاصيل نرصده في دقة تنفيذ العناصر التي تجعل التسجيلي واقعيًا مثل عناوين الصحف والبرامج التلفزيونية وغيرها من الأمور التي اعتدنا تنفيذها بعدم اكتراث في السينما المصرية فنراها بمستوى إتقان مشهود في "بلاش تبوسني".

ثالثًا: حلم التواصل مع الجمهور.. المتعة هدفًا

أما آخر السمات التي تجمع الفيلمين وتجعلهما معًا من أهم التجارب الفيلمية المعاصرة في السينما المصرية، هي كونهما عملين يضعان التواصل مع الجمهور العادي هدفًا واضحًا ومعلنًا. هذه أفلام غير متكلفة أو متثاقفة، لا تتأفف من فكرة النكتة والإيفيه وإمتاع المشاهد غير المتخصص. أفلام تقف في نقطة وسط بين الأفلام التجارية التي لا تهدف إلا تحقيق المتعة اللحظية بأي وسيلة، والأفلام الفنية التي صارت صفة مقترنة بالجهامة والبطء والانعزال عن المشاهد البسيط.

"بلاش تبوسني" مثل "علي معزة وابراهيم" يحملان عضويًا رسالة لصناع الأفلام المصريين بمختلف تصنيفاتهم، مفادها أن الإمتاع لا يجب أن يعني السطحية، وأن الأفكار المهمة لا يصح أن تقترن بثقل الظل وتعذيب الجمهور.

يبرز هذا التوجه في "بلاش تبوسني" ليس فقط في حسه الكوميدي وخفة ظله الواضحة، ولكن في خيار أحمد عامر أن يتقيد بشكل الموكيومنتري سرديًا دون أن يتقيد به بصريًا؛ فالفيلم مروي كأنه تسجيلي لكن مشاهده غير مصورة من كاميرا الكواليس المحمولة فقط، بل تجد المشهد مُقطعًا إلى لقطات بشكل كلاسيكي حتى وإن كانت وجهة نظره ذاتية تعود للكاميرا المذكورة. اختيار قد لا يتسق مع المنطق البصري لكنه يهدف بوضوح لجعل العمل أبسط في التلقي، فلا أزمة في تجاوز مدرسية التنفيذ في مقابل كسب مشاعر الجمهور.

"بلاش تبوسني" إذن هو خطوة جديدة في طريق المصالحة بين الجمهور والسينما المغايرة، ناهيك عن جرأته في مسائلة الثوابت والقناعات لدي المجتمع والفنان على حد سواء. وإذا كان "علي معزة وابراهيم" قد تعرض للأسف لفشل تجاري كبير في شباك التذاكر، رغم إنه في كل مرة يُعرض لجمهور كبير أيًا كان نوعه ينال إعجاب واستحسان الأغلبية، فإن "بلاش تبوسني" فيلم تحتاج السينما المصرية أن ينجح، ويتحتاج الجمهور المصري أن يشاهده. فربما يغير ـ ولو قليلًا ـ تراث متراكب من التصورات الخاطئة عن الفن والحياة.

اقرأ أيضا

5 مسلسلات جديدة نتطلع لرؤيتها في شهر مارس عبر Netflix .. عودة مواسم اخرى

عفوا ميريل ستريب- هذه النجمة الأقرب لنيل جائزة أوسكار أفضل ممثلة.. القائمة الكاملة لفرص كل مرشحة