من المصارعة لكمال الأجسام: الجسد البشري في أفلام مهرجان لوكارنو

تاريخ النشر: الاثنين، 7 أغسطس، 2017 | آخر تحديث:
الملصق الدعائي لمهرجان لوكارنو

في كل مهرجان نجد بطبيعة الحال عشرات الموضوعات والتيمات التي تتناولها الأفلام، إلا أن الشواهد تقول أن من بين التيمات التي ركز عليها الفريق الفني لمهرجان لوكارنو السينمائي أثناء اختيار أفلام الدورة السبعين (2-12 أغسطس)، هي تيمة الجسد البشري وحدوده الفيزيائية والروحية.

فعلى مدار الأيام الثلاثة الأولى للمهرجان عُرض فيلمين حول نفس التيمة، منهما فيلم في المسابقة الرسمية تم اختيار صورة منه لتكون واحداً من الملصقات الرسمية للمهرجان (عددها عشرة هذا العام)، وآخر في قسم بياتزا جراندي قام المدير الفني للمهرجان كارلو شاتريان بتقديمه بنفسه واصفاً إياه بأنه "ليس مجرد فيلم عن الملاكمة"، قبل أن يُسلم بطل الفيلم الممثل والمخرج الفرنسي ماتيو كاسوفيتز جائزة الفهد التكريمية عن مجمل أعماله.

وقبل الدخول في تيمة الفيلمين تجدر الإشارة إلى أن كاسوفيتز أصر على الصعود على المسرح لتلقي التكريم ممسكاً بكأس الشراب في يده، وبدا عليه إنه ليس واعياً بالكامل لما يقوله ويفعله أمام ثمانية آلاف مشاهد في أكبر عرض عام في أوروبا، فأخذ يصور نفسه وما حوله بهاتفه المحمول، يرد على كل سؤال بمزحة، ويقاطع زملائه في الفيلم بصورة مزعجة. رغم هذا تعامل جميع الحاضرين مع الأمر باعتباره مجرد حدث طريف، انتهى بتسليم الجائزة وتقديم الفيلم ونزول كاسوفيتز من على المسرح، لينصب التركيز كله على الفيلم المعروض.

الأمر الذي دفعني للتفكير عما كان الأمر سيؤول عليه إذ ما فعل أحد ضيوف المهرجانات المصرية الشيء ذاته، وكيف كان الحدث سيتحول لقضية المهرجان بل العام السينمائي بأكمله، باعتبارها إهانة للدولة وللمنظمين وللحضور. وبالمناسبة الحوار دار معظمه بالفرنسية دون مترجم، في مدينة لغتها الرسمية الإيطالية، لكن أحداً لم يعترض ويهاجم مدير المهرجان الفني (وهو إيطالي يدير مهرجاناً سويسرياً). أي أن حدث لا يتجاوز العشر دقائق حمل داخله معظم الفروق الجوهرية في الثقافة العامة والتعامل مع السينما، التي يصعب القفز عليها في أي مهرجان مهما كانت الجهود المبذولة.

"تدريب" وتحية للفشلة

نعود إلى الفيلمين المذكورين، وأولهما "تدريب Sparring" الفيلم الأول للمخرج الفرنسي صامويل جوي، والذي لعب فيه ماتيو كاسوفيتز دور ستيف لاندري، ملاكم محترف في الخامسة والأربعين من عمره، لعب في مسيرته الرياضية 49 مباراة خسر 33 منها. وعندما خرج للهواء بعد هزيمته الأخيرة منعه الحراس من العودة للصالة لأنهم لا يعرفونه.

باختصار هو نموذج للرياضي المغمور، يعمل في أحد المطاعم لتغطية احتياجات أسرته، ويرفض أن يأخذ ابنته معه للمباريات دون أن تفهم الفتاة الذكية أن سبب ذلك عدم رغبته في أن تراه وهو يتعرض للضرب. غير أن ستيف يحب الملاكمة ولا يستطيع إلا أن يمارسها، يوقن أنه لن ينجح فيها لأنه "لا يمتلك الشيء" الذي يجعله بطلاً، ويقصد بالشيء الموهبة بالطبع. مثله مثل مجموعة من المحترفين دائمي الخسارة الذين يقدم لهم الفيلم تحية في نهايته.

تأتي ستيف فرصة ذهبية لكسب المال، بأن يصير ملاكم تمرين يتدرب معه الملاكم البطل طارق مبارك (يجسده بطل الملاكمة الفرنسي سليمان مبايي بتمكن كبير في وقوفه الأول أمام الكاميرا) قبل مواجهة كبيرة على البطولة الأوروبية. طارق يسخر من عمر ستيف ومسيرته الرياضية المتواضعة، يطرده بعد أول يوم في التمرين، قبل أن يتمكن الملاكم المخضرم من إقناعه بإعادته للفريق بعدما يخبره أن يحتاج لمن ينقل له تجربة الوقوف على الحلبة بعد الخسارة (فالمباراة هي عودة لطارق الذي خسر للمرة الأولى قبلها).

بين عشق اللعبة واليقين بأن سقف الطموح فيها هو أن يستمر ويكسب عيشه لا أكثر، بين حبه لابنته وانكساره بعدم القدرة على ألا يكون مثلاً أعلى لها. نكتشف تباعاً أن "تدريب" ليس فيلماً عن الملاكمة، بل هو بالأساس عن التمزق بين الرغبة والقدرة. قدرات ستيف الجسدية وموهبته المتواضعة نزعا منه حلمه، فقرر أن ينتزع منهما احترام ابنته له، رغم صعوبة الأمر في عالم لا يعترف سوى بالقوة والسرعة والأرقام الدالة على النجاح.

المخرج صامويل جوي نجح في اختيار النبرة العامة المناسبة للفيلم، فلا هو بفيلم الملاكمة التقليدي الجماهيري المعتمد على تصوير مباريات ملحمية، ولا هو بفيلم المهرجانات الذي يجرد الرياضة من متعتها على الشاشة. "تدريب" يقف في المنتصف، يقدم مشاهد الملاكمة بكثرة تناسب فيلماً يدور حول الرياضة، لكنه يقدمها كصراع نفسي بالأساس، صراع يخوضه ستيف مع جسده أكثر من أن مواجهته لمنافسه. صراع قد يكون الانتصار الصغير الذي يسعد الابنة فيه أكثر تأثيراً من بطولة العالم نفسها.

"جسد شديد النعومة".. وهوس الذكورة

الفيلم الثاني هو أحد أفلام المسابقة الدولية، وأحد الملصقات الرسمية للمهرجان، فيلم بعنوان "جلد شديد النعومة A Skin So Soft" للمخرج الكندي صاحب التجربة المغايرة دينيس كوتيه، الذي شارك العام الماضي في برلين بدراما غريبة بعنوان "باريس وبياتريس".

كوتيه يقدم في فيلمه الجديد عملاً أقرب للتسجيلي منه للروائي، وإن احتوى على بعض العناصر الروائية، يقوم فيه بتتبع حياة ستة رجال مهووسين بدفع الحدود القصوى لأجسادهم. معظمهم لاعبو كمال أجسام، ومدرب متقاعد، وآخر من لاعبي مسابقات أقوى رجل في العالم يقوم بجر شاحنات ضخمة بجسده.

الفيلم لا يتعمق كثيراً في حياة الشخصيات التي يقدم بعض الحقائق الرئيسية عنها، فأحدهم يربي كلباً ونراه يبكي خلال مشاهدة أحد الفيديوهات على يوتيوب، والآخر يعيش مع صديقته ويحاول إقناعها بالالتزام في التدريبات مثله، لكن الفيلم عموماً يقرر أن يتعامل مع شخصياته بحياد، مقدماً هوسهم ببناء عضلاتهم بما هو عليه: التزام ومفارقة.

هو التزام بسبب ما يتطلبه الأمر من جهد هائل، نرى بعضهم يضع الأكل في جوفه بكميات ضخمة بينما يبدو عليه عدم الجوع، والآخر يتناول في الصباح عدد كبير من حبوب المكملات الغذائية، بالإضافة لتدريب لا يتوقف ورفع لأوزان خيالية، كلها أمور تقول أنه ليس في إمكان أي شخص أن يصل لما هم عليه دون أن تهوسه الفكرة، ويكرس حياته بأكملها من أجلها.

الهوس هو أيضاً مفارقة لعدة أسباب، منها أنه بلا هدف أو طائل، فلا هم محترفون يتدربون من أجل بطولة ما، ولا هذا السعي للكمال الجسدي ـ من وجهة نظرهم ـ يجعلهم أكثر اجتماعية وقبولاً بين الناس، بل على العكس يبدو أغلبهم عملاقاً وحيداً، مخيف الشكل بما يُنفر الناس منه. الأمر الذي يمكن اعتبار تتابع النهاية الذي يخرجون فيه لرحلة خلوية سوياً، يبدو كهدية رتبها المخرج ربما ليقربهم من بعضهم البعض.

المفارقة تنبع كذلك من أن هوس بناء العضلات هو هوس ذكوري بالبديهة، لكنه مرتبط بالكثير من التصرفات الأنثوية، التي يبدأها المخرج من عنوان الفيلم "جلد شديد النعومة"، قاصداً أجسادهم التي يزيلون عنها الشعر ويرطبونها بالزيت (فعل نراه في أول مشهد) بغرض إظهار العضلات. بل أن فكرة عرض جمال الجسد من أجل نيل الإعجاب هي بالأساس فكرة مرتبطة تاريخياً بالأنثوية.

الفيلم لا يأخذ صف شخصياته أو يقف ضدها. فقط يرصد حياتهم بدأب يشبه ما يفعلونه مع أجسادهم، ويضع بعض المفاتيح ليفسرها كل مشاهد حسبما يحب. مقدماً عملاً مغايراً كعادة دينيس كوتيه في أفلامه. عمل اختياره لمسابقة دولية يغلب عليها الفيلم الروائي، يُشكل ـ مع الأسباب الأخرى التي ذكرناها ـ صوراً لاهتمام مهرجان لوكارنو السبعين بتيمة الجسد البشري.