خاص- رسالة مهرجان روتردام (1): تجارب مدهشة من أمريكا اللاتينية

تاريخ النشر: الاثنين، 30 يناير، 2017 | آخر تحديث:
Arabia

أربعة أيام انقضت من فعاليات الدورة السادسة والأربعين من مهرجان روتردام السينمائي الدولي، المهرجان الذي يجبرك برنامجه على أن تكون مغامرا مثله، الحد الأدنى من الأسماء الشهيرة والأفلام المعروفة، وأكبر عدد ممكن من العروض الأولى لصناع أفلام صاعدين يبدأون مسيرتهم السينمائية أو لا يزالوا في مراحلها الأولى.

معظم الأفلام تذهب لمشاهدتها دون توقعات مسبقة، بمعلومات أقصى ما يمكن تحصيله منها هو ملخص الفيلم في كاتالوج المهرجان أو ملف الفيلم الصحفي إن تواجد. وبالتالي هناك دائماً وفي كل يوم مفاجئات متعددة، منها السار بأفلام يفاجئك تميز مستواها وطزاجة أسلوبها، ومنها التعيس بأعمال تقل في مستواها كثيراً عما تعد به نبذنها المختصرة.

من بين أفلام الأيام الأولى اخترنا مجموعة من التجارب المميزة التي تستحق الرصد، كلها ذات حس معاصر تجريبي، وجميعها آتية من أمريكا اللاتينية الثرية بتاريخها وأساطيرها. أفلام ربما نراها في مهرجانات مقبلة بالمنطقة، لكن الأكيد أن صناعها في الطريق لتكوين اسم وسمعة دولية انطلاقاً من أعمالهم.


أرابيا Arabia (البرازيل)

بالرغم من عنوانه ليس لفيلم المخرجين أفونسو أوتشوا وخواو دومانز أي علاقة بالعرب أو الثقافة العربية، بل يمكن اعتباره انتصاراً لثقافة المهمشين في البرازيل: العمال الفقراء الذين قامت على أكتافهم ثورة البلاد الاقتصادية دون أن يعود عليهم ذلك ولو بتحسن بسيط في الأحوال.
الحكاية تبدأ بوفاة عامل بأحد المصانع في حادث وتكليف شاب بالذهاب لمنزله لإحضار بعض الأشياء، وهناك يعثر على المذكرات التي كتبها العامل كريستيانو على مدار العشرين سنة الماضية، خلال تنقله من مكان لمكان ومن وظيفة يدوية لأخرى، صداقاته ووقوعه في الحب وكل ما يتعرض له في رحلة البحث عن الحد الأدنى من الحياة اللائقة.

المذكرات نسمعها تعليقاً صوتياً بصوت كريستيانو، لتضفي بعداً روائياً على العمل لا يقع أبداً في حيز الملل أو الخطابة. لا يتحدث إلا عن الوقائع والمشاعر الملحقة برحلة العامل البسيط الأشبه بأفلام الطريق road movies، فلا حركة تتوقف، ولا استقرار يدوم، ولا علاقات تستمر. لا شيء يبقى سوى رغبة في الحياة يعبر عنها المخرجان بأبسط أدوات الثقافة البرازيلية: الغناء. "أرابيا" يضم شريط صوت ممتع به العديد من الأغنيات التي يؤديها العمال معاً لتسلية أنفسهم، وربما للاحتفال بكونهم معاً في هذه اللحظة التي يخبرنا الفيلم بوضوح إنها لن تدوم.

الوردة - الجزء الأول The Flower Part 1 (الأرجنتين)

من الغريب أن يعلن مهرجان مسبقاً عن أعمال ستُعرض في دوراته التالية، خاصة إن كانت هذه الأعمال لم يبدأ تصويرها بعد، لكن يبدو أن المشروع الطموح للمخرج الأرجنتيني ماريانو ليناس يمتلك من الجاذبية ما دفع روتردام للإعلان عن وجود الأجزاء التالية في الأعوام المقبلة للمهرجان، في فيلم من المفترض أن يكون إجمالي طوله حوالي 12 ساعة كاملة.


الجزء الأول المعروض هذا العام زمنه وحده يقارب الثلاث ساعات ونصف، ويتكون من فصلين كل منهما يصلح بصورة مجردة أن يكون فيلماً مستقل بذاته، لكن مشروع المخرج يقوم على تقديم ست حكايات كل منها ينتمي لأحد الأنواع السينمائية الشهيرة، مع الاحتفاظ بنفس المجموعة من الأبطال في جميع الأعمال خاصة الممثلات الرئيسيات الأربع.

الحكاية الأولى فيلم رعب من نوعية الأفلام B بتقنياتها البدائية وحبكاتها المرتبطة بلعنات ومومياء أثرية تصيب البشر والحيوانات بمرض غريب يجعلهم يتصرفون بعنف، والحكاية الثانية هي قصة رومانسية غنائية تعتمد على الأغنيات في مفاصل الدراما الرئيسية. قد لا تكون الأفلام مميزة على مستوى تنفيذ كل منها على حدة، لكن قيمة مشروع ليناس هو تصميمه أن يقدمه بهذه الصورة، وفيما يكشفه مشاهدة طاقم العمل نفسه في سياق ونوع مختلف تماماً خلال نفس الجلسة، مما يفتح الأذهان على أسئلة تتعلق بحرفة السينما وربما علاقة الفيلم وصناعه مع الجمهور.

ملك King (تشيلي)

قمة التجريب على مستوى الشكل والمضمون يأتي في فيلم المخرج التشيلي نايلز عطالله "ملك"، والذي يتعامل بطريقة شديدة الخصوصية مع حادث مسكوت عنه في تاريخ بلاده، وهي وصول مستكشف فرنسي عام 1860 إلى تشيلي التي كانت قد استقلت وكونت دولة وحكومة، ليقوم بإعلان مملكته في جزء من الأدغال بعد أن أقنع بعض السكان الأصليين باتباعه.

المستكشف دي تونين الذي تقول رواية إنه كان مختلاً وتصفه رواية أخرى بأنه كان جاسوساً فرنسياً، تم التعامل معه بقسوة من قبل السلطات المحلية، وقبض عليه ليحاكم ويعاقب بالموت. ليقوم المخرج بمعالجة فترة وجوده في تشيلي بصورة سينمائية تقوم على التجريب.

التجريب هنا لا يتوقف على شكل السرد الذي يمزج بين المشاهد الطبيعية وبين مسرح الأقنعة والمشاهد على طريقة السينما الصامتة، وإنما يمتد لكيفية التعامل مع الوسيط نفسه، بعدما قام المخرج عام 2011 بتصوير بعد المشاهد على خام سينما 35 و16 و8 ملليمتر، ثم قام بدفن خام بعض المشاهد في حديقة منزله وتركه عدة أعوام، ليستفيد من التحلل الجزئي الذي يصيب هذه المشاهد في تكوين فيلمه بصرياً، وربطه بطبيعة الحال بفكرة الحقيقة التاريخية وتحللها بمرور الزمن.

هذه مجرد أمثلة لما يمكن مشاهدته في روتردام من تجارب فريدة، ينال بها المهرجان خصوصيته التي تجعله أفضل بداية لعام سينمائي نتمنى أن يكون حافلاً.

اقرأ أيضا

"زهرة الصبار" يمثل مصر في مهرجان روتردام السينمائي

"ليمون" يفتتح مهرجان روتردام السينمائي الدولي