خاص في الفن .. رسالة مهرجان مالمو للسينما العربية (1): خمس عبارات تكفي

تاريخ النشر: الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016 | آخر تحديث:
مهرجان مالمو للسينما العربية

"عندما وصلت إلى مالمو لأول مرة عام 1989، وبدأت مشاهدة الأفلام في صاعة رويال، أكبر شاشة سينمائية في السويد، وسط غياب كامل للأفلام العربية عن الدولة، حلم باليوم الذي أشاهد فيه فيلماً عربياً على هذه الشاشة. الليلة فقط يتحقق هذا الحلم".

هكذا تحدث محمد قبلاوي، مؤسس ورئيس مهرجان مالمو للسينما العربية في حفل الافتتاح الذي استضافته قاعة رويال الضخمة للمرة الأولى في تاريخ المهرجان، والذي تقام فعاليات دورته السادسة حالاً في المدينة السويدية الجنوبية التي صارت ذات طابع كوني، حيث يعيش فيها أكثر من 100 جنسية، نسبة كبيرة منهم من العرب، خاصة بعد الهجرات الأخيرة وحالات اللجوء المستمرة للسويد.

جمهور المدينة من المهاجرين العرب والسويديين قابلوا أفلام المهرجان بحفاوة كبيرة، ليس فقط "نوارة" لهالة خليل الذي استقبلته قاعة رويال في الافتتاح، ولكن كافة العروض والفعاليات التي أقيمت في سبع شاشات مختلفة بالمدينة على مدار أيام المهرجان، محوّلة حلم قبلاوي إلى حقيقة ملموسة من الجميع.

"في حفل الافتتاح واللقاءات الرسمية تجد هذه الابتسامات الودودة، أما في اجتماعاتي مع مسؤولي بلدية مالمو لابد وأن ينتهي الأمر في كل مرة بشجار. يقولون لي أني لا سقف لمطالبك، تطلب مائتي ألف كرون فنوافق عليها، فتذهب وتعود بفكرة جديدة تضيفها للمهرجان تتطلب ميزانية أكبر".

لا يتوقف قبلاوي عن الحلم ومحاولة بدء مبادرات جديدة في المهرجان، في الدورة الماضية عقد مؤتمراً نقدياً جمع 10 نقاد عرب بمثلهم من الاسكندنافيين لمناقشة حال النقد في المنطقتين.

بدأ العام الماضي أيضاً سوق الفيلم الذي تتنافس فيه مشروعات قيد التنفيذ على جوائز لدعم المشروع، الفعاليات الملحقة بالمهرجان لا تتوقف على مدار العالم، من أسابيع أفلام ومهرجانات مصغرة نوعية تقام في مدن ستوكهولم ولوند وأوميا ولوليا وهيلسنبورج وجوتنبرج، خالقة تواجد ثري ومتنوع للسينما العربية في كل ركن بالسويد.

"عندما بدأنا مبادرة ملتقى سوق الفيلم طلب الجانب السويدي الممول لجائزة المشروعات الروائية الطويلة أن يُشترط في كل مشروع متقدم وجود منتج سويدي مشارك، لم يعجبني الأمر في البداية واعتبرته عائقاً سيمنع المشروعات من التقدم، لكني اكتشفت لاحقاً أن هذا التوجه جعل المنتجين السويديين يهتمون بالمشروعات العربية، ليساهم المهرجان بشكل مباشر في تقديم المشروع إلى منتج من منطقة جغرافية مختلفة يحاول جلب مصادر دعم لم يكن المنتج العربي ليفكر أن يلجأ لها وحده".

صحة هذه العبارة يؤكدها عدد من المنتجين السويديين الموجودين في المهرجان، في كاتالوج السوق سنجد 4 منتجين سويديين يشاركون في تمويل 4 أفلام روائية طويلة عربية، من ضمنهم مارتن بيرسون المنتج المشارك في مشروع نادين خان "في بلاد العجائب" الذي توّج في النهاية بجائزة الملتقى وقدرها 150 ألف كرون سويدي أو 14 ألف دولار تقريباً. وبالنظر إلى تاريخ لم يكن للإنتاج الإسكندنافي فيه دور يذكر في تمويل الأفلام العربية، يبدو أن مهرجان مالمو آخذ في تحقيق هدف دعم السينما العربية شيئاً فشيئا.

"في بداية دورات المهرجان قالوا لي أنك إذا ما استضفت أحد النجوم المشاهير فعليك أن توفر له سيارة مرسيدس حديثة بسائق كي يتنقل بها، حسبت التكلفة اليومية لإيجار السيارة وأجر السائق وضربتها في عدد أيام المهرجان، فوجدت أن تكلفة السيارة الواحدة كافية لاستقبال ضيف جديد يثري المهرجان بوجوده، فأخذت القرار القاطع: المهرجان لديه سيارتين كبيرتين دورهما استقبال الضيوف من المطار ونقلهم بين الفندق وقاعات العرض، يركبها الجميع معاً، ومن يريد التنزه أو عمل مشاوير خاصة عليه أن يتحرك بمفرده وبالمواصلات العامة كما يفعل الجميع في السويد حتى الوزراء وكبار المسؤولين، وخلال ست دورات لم يُثر هذا النظام مشكلة تُذكر".

في هذا التصريح نلمس نموذجاً مثالياً للتعامل بحكمة مع الميزانية المتاحة، ومعرفة ما يجب على المهرجان أن يوفره لضيوفه وما يتجاوز الواجب لحدود التدليل المُفسد، وخلال أيام المهرجان كان النجوم الحاضرين ومن بينهم عمرو يوسف ودرة وماجد الكدواني يتنقلون بشكل طبيعي بين شوارع المدينة ومطاعمها، بل ويسعدون بحفاوة عرب مالمو ورغبتهم في التقاط الصور التذكارية وتجاذب أطراف الحديث معهم في أي مكان يتواجدون فيه، بينما تتفنن مهرجانات أخرى في عزل ضيوفها عن البلد الذي يزورونه، وتهدر الأموال في توفير مالا يجب توفيره.

"تلقيت دعوة للانضمام إلى ما يُعرف بإتحاد المهرجانات العربية، فأجبت عليهم بأن مهرجان مالمو ليس مهرجاناً عربياً، وإنما هو مهرجان أوروبي عن السينما العربية، واعتذرت عن الانضمام للإتحاد وما يترتب عليه من إلتزامات لا داع لها".

ربما قصد قبلاوي بمقولته الحديث عن تبادل الدعوات، الأمر الذي صار في السنوات الماضية ملحوظاً لدرجة ملفتة، رؤساء بعض المهرجانات يتنقلون من مدينة لأخرى، يلعبون الكراسي الموسيقية على مقاعد لجان التحكيم والتكريمات والندوات، وأحياناً دون الاهتمام حتى بخلق سبب لتواجد نفس الوجوه في كل المهرجانات لا لشيء إلا عضوية هذا الإتحاد.

ملحوظة أخيرة: هذه الاقتباسات ليست حواراً صحفياً أجريته مع رئيس المهرجان محمد قبلاوي، وإنما هي جمل متناثرة تبادلناها هنا وهناك في أروقة المهرجان خلال عمله الذي لا يهدأ، هو وفريق المحترف بحق على حداث سن أفراده، والذين تمكنوا بانضباطهم الأوروبي وحميميتهم العربية، ورغبتهم الدائمة في المساعدة، تمكنوا من تسهيل الأمور على كل ضيوف المهرجان، والذين أكاد أجزم أنهم استمتعوا بدورة ناجحة ومفيدة مهنياً من مهرجان صار هو الحدث السينمائي العربي الأهم في القارة العجوز.

اقرأ للكاتب أيضا
"لف ودوران".. كل هذا الإحباط!

"حملة فريزر".. فكرة قديمة وعناصر طازجة

"كلب بلدي".. انفصال ضروري وخطوة للخلف