FilFan.com
FilFan.com تاريخ النشر: الخميس، 4 يونيو، 2015 | آخر تحديث:
أفيش فيلم الكيت كات

"مالك الحزين" اسم واحدة من أهم الروايات العربية المعاصرة، أرادها الروائي إبراهيم أصلان ملحمة مكان، وخرجت كذلك، تدور أحداثها في منطقة الكيت كات بحي امبابة الذي يحتضن النيل، جسدت الرواية حالة الغربة التي جمعت المكان وسكانه ألفوا الغربة وآلفتهم وطحنتهم حياة مادية كانت هي السمة المسيطرة لفترة السبعينات وأوائل الثمانينات، إذ بدأ أصلان في كتابة روايته ديسمبر 1972 وانتهى منها في إبريل 1981، نعم أصبحت المادية طبعًا متأصلًا في المصريين، لكنها وقت كتابة الرواية كانت نبتًا شيطانيًا على المجتمع المصري جرح خيال وقلم أصلان فنزفا معًا شخصيات ما جمعها إلا الحزن والتيه، والكيت كات.

أخرج إبراهيم أصلان شخصيات "مالك الحزين" على أن يكون يوسف النجار "أهم شخصيات الرواية"، شاب مثقف بعد عن المجتمع وأصبح أسير حزنه ووحدته وأحلامه بعيدة المنال، وفاطمة الفتاة الفقيرة البسيطة التي تحب يوسف من طرف واحد وتحاول إغواءه وينجذب نسبيًا لها، الشيخ حسني الضرير الذي يعاني غربة ووحدة بعد وفاة زوجته نور، وهو ليس بالمناسبة والد يوسف.

علينا أن ندرك جيدًا أن الأعمال السينمائية المأخوذة عن أعمال روائية، تفقد الكثير من خصائصها كرواية لأسباب تختلف من عمل لآخر إما طبيعة الرواية، أو ظروف العمل السينمائي، أو على أقل تقدير لظروف رقابية، هذا التغير يجعل العمل السينمائي في رأي المتابعين والنقاد أقل جودة من الرواية، لكن حينما وضع المخرج الكبير داود عبد السيد رواية "مالك الحزين" في سيناريو سينمائي وصور سينمائية، خرج فيلم الكيت كات كملحمة مكان وشخصيات ولم يكن أضعف من الرواية بأي شكل من الأشكال.

داود عبد السيد لم يغير كثيرًا في الرواية، لقد احتفظ لكل شخصية بما يميزها لكنه أضاف بعض الروابط التي كانت كالمفاصل بالنسبة للفيلم، قوتها من قوة الفيلم، الشيخ حسني أصبح والد يوسف النجار الذي جسده الفنان الشاب وقتها شريف منير، وفاطمة "عايدة رياض" أصبحت سيدة هجرها زوجها وتحاول أن توقع بيوسف في شباكها إلا أنها تحبه بالفعل.

عم مجاهد بائع الفول لم يمت منذ المشهد الأول للفيلم كما في الرواية حينما مات في صفحتها الأولى، لكنه كان حاضرًا إلى منتصف الفيلم ودار بينه وبين الشيخ حسني الذي صار بطلًا للرواية حوارًا من أكثر الحوارات السينمائية عمقًا وأكثرها زخرًا بالمشاعر والانفعالات، حوار الكفيف والميت ففي ذلك المشهد كان يتحدث الشيخ حسني عما يعانيه لعم مجاهد وهو لا يدري أنه توفى بالفعل، ذلك المشهد الذي يجسد وبقوة رسالة الفيلم وهي أن كل جيل يحمل غيره المسؤولية سواء مجاهد (الجيل القديم) الذي يحمل حسني مسؤولية ضياع البيت، أو حسني الذي يسأل مجاهد عما فعله كي يحميه من ضياعه الذي عاناه في صغره.


توليفة كتلك لا يمكن أن تستقيم وتلمع بدون موهبة متفجرة قادرة على إضحاك المشاهد وإبكائه، بدعم من عدسة داوود عبد السيد جسد محمود عبد العزيز دورًا -بحسب النقاد- لو اكتفى به لأكفاه، ذلك الشيخ الذي يعاني وحدة ويهرب منها إلى براثن الحشيش، فاقد البصر قوي البصيرة محب الموسيقى حامل البهجة لمن حوله، استغل داوود قدرات محمود عبد العزيز التمثيلية في أداء ذلك الدور بشكل جعلت الصورة النمطية عند كل من شاهد الفيلم للرجل الكفيف في مشيته وحركات يديه بل وتعبيرات وجهه تشير بالضرورة إلى الشيخ حسني.

يقول داوود عبد السيد، إنه حينما قرأ الرواية لأول مرة لم يسيطر على تفكيره إلا الشيخ حسني على الرغم من المساحة القليلة التي حظي بها في أحداث الرواية، لكنه رأى أنها أكثر ثراء من كل الشخصيات.

ويؤكد أنه رسم الشخصية بكل تفاصيلها في خياله، فالجلباب والعباءة وطريقة المشي وحتى الصوت كل تلك التفاصيل البسيطة كونت لديه تصورًا كاملًا عن الشخصية، وعلى الرغم من التباعد والاستقلال الذي كان ملحوظًا بين شخصيات الرواية إلا أن روابط عبد السيد زادت تلك الشخصيات متانة وجعلتها أقوى تأثيرا.

لم يحاول عبد السيد أن يبعد عن فكرة أصلان الرئيسية في أن المكان هو بطل الرواية، على العكس فقد أثرى الفكرة وأصقلها بالصورة، الصورة الباهتة للمنازل التي يكاد لا يكون لها لون، الأغنيات التي تتغير من مشهد لآخر، من أغنية لصباح فخري ليلًا لأغنية يستمع إليه يوسف وصديقه على النيل "طالعة من بيت أبوها لناظم الغزالي"، للأغنيات الشبابية التي انتشرت انتشار النار في الهشيم أواسط الثمانينات، التخبط والعشوائية والتيه والغربة هما السمة الأكبر للكيت كات الحي، وسكانه.