محمد سليم
محمد سليم تاريخ النشر: الاثنين، 29 مايو 2006 | آخر تحديث: الاثنين، 29 مايو 2006

لا يستطيع أي عاشق لفن العود أن يتجاهل ذكر الفنان الأصيل أنور إبراهم ابن مدينة حلفوين التونسية في أي مناقشة موسيقية يدخلها ، فالفنان التونسي المبدع هو نجم من نجوم العزف والتأليف للآلة التي تعد رمز الموسيقى العربية.

درس إبراهم ، الذي ولد في العشرين من أكتوبر عام 1957 ، باستفاضة أصول وأسرار الموسيقى العربية وآلة العود ، كما احتك بعمق بالموسيقى التركية وبموسيقى الجاز ، قاوم في بداياته المصير التقليدي لأي عازف عود بالعزف في الملاهي الليلة أو خلف مطرب أو في "تخت" موسيقي كبير ، وفضل التجريب والتأليف والعزف المنفرد للعود.

التقاه عاشقو الموسيقى الجادة في القاهرة لأول مرة مساء الاثنين 12 مايو الجاري بمصاحبة عازف الكلارينت التركي برباروس اركوزي على خشبة مسرح معهد الموسيقى العربية في حفل رائع اختتم أنشطة مهرجان الربيع الثقافي ، الذي نظمته جمعية المورد الثقافي في الفترة من 20 ابريل إلى 12 مايو 2006 واستضافت من خلاله نجوما كالفنان اللبناني مارسيل خليفة ، فريق مومو المغربي و فريق حوار السوري.

وقد التقاه موقع Filbalad.com في فندقه عقب الحفل فكان الحوار التالي..


كان هدفك في بداية رحلتك الفنية استعادة وضع آلة العود كآلة عزف منفردة ، فلماذا اخترت ذلك الهدف؟

كان الطريق المتاح آنذاك لعازف عود هو العزف في الملاهي الليلة أو خلف مطرب أو في "تخت" موسيقي كبير ، لكن لأن اهتمامي كان دائما منصبا على آلة العود والموسيقى الوترية ورغبتي في عزف مؤلفاتي الموسيقية الخاصة ، فضلت أن أكون عازفا منفردا ، وكان ذلك اختيارا غريبا آنذاك.

أنت تؤلف الموسيقى البحتة ، وإلى جانب ذلك تكتب للسينما ولعروض الرقص الحديث ، هل تشعر بقيود عندما تكتب لوسيط آخر ، وهل يقلل ذلك من استمتاعك بكتابة الموسيقى؟

بالطبع هناك قيود تفرضها الصورة والسيناريو والمونتاج ومحتوى العمل الفني بشكل عام ، وأنا آخذ في الاعتبار أن الموسيقى في هذه الحالة تصبح مكونا من مكونات العمل الفني ، لكن رغم ذلك يتركني المخرج لأتعامل مع تلك القيود بحرية تامة.

هناك تجارب عدة على الساحة الموسيقية منذ فترة طويلة تبنت محاولات للتزاوج بين الموسيقى الشرقية والغربية متخذة من ذلك جسرا للتقارب بين الثقافات ، ومؤدية لظهور أنماط موسيقية جديدة مثل "الجاز الشرقي" ، ما رأيك في هذه التجارب؟

يجب أن نفرق بين اختلاط الآلات الوسيقية في عمل ما وبين مزج أنماط موسيقية مختلفة ، فدائما ما اختلطت الآلات الموسيقية ، ومن يستطيع أن ينكر اكتساب آلة الكمان مثلا هوية عربية خالصة منذ سنين؟!

أما بالنسبة لمزج الأنماط الموسيقية ، فأنا أؤمن أن محتوى العمل الموسيقي هو المحك في المقام الأول ، أنا مثلا مهتم بموسيقى "الجاز" منذ ما يزيد على الثلاثين عاما ، أعمل مع موسيقيي "جاز" ، بل إن محال الأسطوانات الموسيقية الأوروبية تضع أسطواناتي في قسم الـ"جاز".

الواقع أنني عندما أشرع في كتابة عمل جديد لا أنطلق أبدا من فكرة المزج بين الأنماط أو الآلات المختلفة ، بل أرى ذلك اصطناعا ، حتى مع الموسيقيين الذين يشاركونني العمل أتعامل فقط مع حساسياتهم الموسيقية لإنتاج موسيقى عربية معاصرة ، وأترك للآخرين تصنيفها كما يشاءون.

يلاحظ أن نجوم آلة العود حاليا أسماء تونسية وعراقية ولبنانية ، لكن لم تقدم مصر منذ فترة طويلة نجما لعالم العود ، فما السبب في رأيك؟

لا أستطيع أن أفهم ذلك ، وكنت أتحدث عن ذات الموضوع مع بعض الزملاء ، لابد أن هناك عوامل ما ، ربما الدعم الذي يلاقيه الموسيقيون أو ربما طغيان التيار التجاري بما له من أهداف خاصة ، لكنني لا أستطيع أن أدعي معرفتي بجغرافية الوسط الموسيقي في مصر.

ورغم ذلك ، فقد زرت مقر مدرسة بيت العود العربي في قلب القاهرة الإسلامية ، واستمعت لعدة عازفين شبان من المغرب و ليبيا والعراق ، كما استمعت إلى تقاسيم وارتجالات من عازف مصري شاب اسمه حازم شاهين هو في رأيي من ألمع عازفي العود الذين سمعتهم على المستوى العربي تعبيرا وشخصية وتقنية موسيقية.

أدخلت على الآلات الموسيقية التقليدية – الوترية وغيرها - تعديلات وظفت التكنولوجيا الإلكترونية ، فظهر الكمان الكهربائي والجيتار الكهربائي وأيضا العود الكهربائي ، ما رأيك في هذا التطوير ، وهل تعزف العود الكهربائي؟

ما هو العود الكهربائي؟ في الواقع هو ليس عودا ، كما أن الجيتار الكهربائي ليس جيتارا ، هذه آلات أخرى ربما تحمل نفس الاسم ، و أنا لا أعارض هذا التطوير ، فلكل عازف مطلق الحرية في اختيار الآلة التي يعزفها ، لكنني أعود من جديد أؤكد على أهمية المحتوى ، في أوروبا مثلا هناك تجارب موسيقية الكترونية تسمع في الحانات ، لكن هناك تجارب أخرى جادة في إطار الموسيقى المعاصرة ، أنا شخصيا غير مهتم بعزف العود الكهربائي ، فالعود التقليدي آلة ذات صوت جميل ، وهو من أصعب الأصوات التقاطا في الأستوديو ، وحتى عندما استخدم مكبرات الصوت أحاول أن أنقل صوت الآلة دون أي تغيير قدر المستطاع.

ما الذي قدمته لك إقامتك في فرنسا بين عامي 1982 و 1986 موسيقيا وإنسانيا؟

كنت آنذاك صغيرا في السن وسمحت لي التجربة بلقاء موسيقيين من أوروبا ومن مصر والجزائر وتركيا ، ولم يكن ذلك ممكنا في تونس وقتها مقارنا بباريس "الكوزموبوليتانية" ، كذلك الحال بالنسبة للسينما عندما بدأت أكتب لها ، والتقيت بسبب ذلك بالعديد من الموسيقيين والمخرجين أثناء التسجيل في الأستوديو ، كانت تجربة مثرية ، ومازلت أزور فرنسا وأوروبا بشكل عام باستمرار.

أنور إبراهم المستمع .. أي أنواع الموسيقى يسمع ومن يسمع؟

أحاول اكتشاف مؤلفين أو عازفين جدد من كل أنحاء العالم ، لست مستهلكا كبيرا للأغنية الخفيفة عربية كانت أم غربية ، أسمعها في السيارة أو مصادفة ، وأبحث دائما عن تجارب موسيقية معاصرة جادة ، وهي للأسف نادرة دائما سواء عربيا أو غربيا ، ودائما ما أشعر برغبة في العودة إلى الجذور فأسمع عبد الوهاب و صالح عبد الحي ، وأحيانا أجد في تلك الجذور أفكارا أكثر معاصرة من تجارب جديدة تعتبر نفسها معاصرة.

ما هو مشروعك الموسيقي الحالي؟

لا أتعامل بالمشروع أبدا ، أؤلف الموسيقى يوميا شيئا فشيئا ، من دون أن أحدد مسبقا البنية أو الشكل النهائي أو الآلات المشاركة ، أبدأ بأفكار أو جمل قصيرة جدا ثم أختار ما أحس فيه نوعا من الأهمية وأطوره بالتدريج ليصبح قطعة موسيقية ، فمثلا منذ انتهائي من إعداد آخر أسطواناتي في فبراير 2005 وأنا أؤلف وأحضر وأختار دون مشروع محدد.