بصّرت ونجّمت كثيرًا، لكني لم أقرأ أبدًا فنجانًا يُجيبني عن استفسار أبله استقر دون إرادة في ذهني منذ سنوات: لماذا يعتقد بعض الناس أن الكلام -بالرغم من أنه يخرج من داخل الفم ولا يدخل إليه- يُؤكل؟ فيُقال: "لا تأكلني في الكلام" و"فلان يأكل الكلام"، أي يبخل في إخراجه كما يجب. في لغة الشارع المصري التي نستخدمها، هناك تعبير يصف المتكلمين سريعًا هكذا، فيُقال: "فلان يأكل الكلام".
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
وعندما نصف من يخدع الآخر خلال حديثه، فلا يفطن إلى مواضع الخطأ والصواب لديه، يُقال: "احذر، فلان يأكلك في الكلام"، أي إنه يستخدم ألاعيبه اللغوية في سياقات متداخلة، ويذهب بك إلى نتيجة يريدها، بالرغم من تشككك فيها، ليصبح من الصعب عليك تحديد خداعه، رغم إحساسك بذلك. إذا كنا لا نملك برهانًا قاطعًا ودليلًا أكثر عملية على استخدام هذا التعبير، فإن استدراجه الآن بالتفسير الحالي، على اعتباره خدعة، يجعلنا نعتقد أنه لا يمكن لإنسان يملك فكرة أصيلة يريد عرضها على الآخر أن يأكلها في الكلام"، لأن جزء المعادلة الأشمل وسياقها الأعم ومجازها العميق لا يتحقق إلا بمشاركة الآخر، سواء كان متكلمًا أو قارئًا أو مشاهدًا. لماذا أبدأ بتلك المقدمة المربكة؟ ربما أفهم ذلك لاحقًا.
نظرة واسعة على قناة "بينج بونج" على يوتيوب فتحت لديّ التساؤل مرة بعد الأخرى، إلى جانب أسئلة أخرى تتعلق بمدى فنية محتواها، أو بالسؤال عن فنية الأعمال التي لا تجد موقعًا للعرض سوى خارج الإطار الرسمي المغلق في أزمنة ما بعد الانفتاح. سواء في آخر سلاسلها وأحدثها "مينفعش معاه صيانة" أو "طيار" و"جولزز" و"حاسس بإيه" وغيرهم، وصولًا إلى أولى فيديوهاتها/سكتشاتها/أفلامها القصيرة: "عايز أنام" التي قدمها مروان طارق، الذي سيقدم لاحقًا فيلم "أم الدنيا" ليعرضه على يوتيوب أيضًا.
تعتمد أغلب الأعمال التي تنتجها «بينج بونج» على تكثيف مربك لأزمات طيف واسع من الجيل الجديد. هذا التكثيف يحاول أن يختصر فقرات إنتاجية يصعب تنفيذها، كما يدرك جمهورها الذي لا يحتمل الفرجة الطويلة، ليصبح خفيف الظل، ثقيل الأثر، ويستخدم مطرقة لمناقشة أزمات جيل جديد لم يعد يراها في شاشات السينما، التي بات أغلبها محشورًا داخل أفكار مكمّمة منتهية عن العلاقات العاطفية، وكل ما يراهن على ضمان خروجه سالمًا من مكتب الرقابة.
في عالم "بينج بونج" أفكار جيل مكتئب، وحيد، مشتت، محبوس في عقله، في مواجهة عملاق مواقع التواصل. وهذه مفارقة سينمائية تمامًا، تخلق في كل مرة أفكارًا قاسية ورائعة على كل حال. ستجد مثلًا سلسلة "جولزز"، التي تتابع زوجين "بلوجرز" بخطاب داخلي بينهما عن حياتهما المشاع. بينما في سلسلة "جنّي" تجد رحلة بلوجر، كذلك، هذه المرة عن علاقته بنفسه ومن حوله.
كانت خطوة جريئة، تلك النقلة الكبيرة التي حدثت مع سلسلة "طيار" ثم "مينفعش معاه صيانة". اختلاف جوهري جعل منها أفلامًا قصيرة مسلسلة، تعتمد على فكرة مركزية يتواجه فيها الأبطال، الذين تختلف دوافعهم وأفكارهم وأزماتهم في كل حلقة. يملك الصنّاع هنا مساحة أكثر تحررًا للحديث عن أزمات أوسع من الغرف الضيقة، دون أن يفقدوا بوصلة جمهورهم. لا نزال في عالم برزخي داخل يوتيوب ونجومه، بخطاب متماسك ومكثّف، لكن يصعب استقطابه إلى التلفزيون. هذه لغة سريعة وغريبة نوعًا ما، معنية بجمهور لم يعد يجد من يحنو عليه داخل الإعلام الرسمي، بسينماه وبرامجه.
يمكنني ببساطة أن أسحبك في جولة لشرح إحدى الحلقات، لكن تبدو حماقة أن أكتب تلك السطور القليلة في مقالي الشهري هنا، أو ربما لانشغالي بعملي الأساسي الذي يلتهم وقتي منذ السادسة صباحًا حتى المساء. لكن يكفي أن تُلقي نظرة بنفسك إلى هذا العالم، وتستكشف مدى الاختلاف الذي يسعى إلى تقديمه، دون مساندات إنتاجية واسعة، رغم استحقاقيته، عن الأعمال التي نراها يوميًا داخل البلاعة.
"بينج بونج" مساحة خطابية مقامرة رغم مباشرة كتابتها؛ أبطال يحاولون فهم أنفسهم في عالم ما بعد حداثي مأزوم يسحق شبابه، قفزات خطرة دون نصائح أبعد من السرد الرسمي المحافظ. تجربة فردية ضمن عدد آخر غير كبير من التجارب التي تستحق الدعم الإنتاجي، قبل أن تبصق علينا شركات الإنتاج -ومن تبعهم بإحسان- الكذبة ثقيلة الظل بأنه لدينا "أزمة ورق".
هنا عربون محبة مخلصة بـ"ورق وشخصيات من لحم ودم"، تحتاج إلى إنتاج أوسع قليلًا وتطوير بسيط، مثل كل الأعمال السابقة واللاحقة، لكي تنتقل من كونها أعمالًا فنية قصيرة مكثفة إلى تطوير مستحق يستعرض شخوصها المركبة، صعبة التقديم. ربما لنسأل مرة أخرى إذا كان هناك ورق مختلف، حتى إذا كان يحتاج إلى تطوير.
أفكر قليلًا مثل شخص يجد نفسه عالقًا في عالم تلك الشخصيات. رجل في الجيل نفسه الذي يعاني كل ذلك، لمحاولة خلق معنى ذاتي أولًا، أبعد قليلًا من كل الجنون المحيط. وأبعد أيضًا من جوهر اليوتيوب المخيف الذي يبدو لا يطوّر نفسه بقدر قدرة صنّاعه على إعادة "الكلام" و"اقتباسه" و"تحريفه" و"تجمعيه" دون جديد فعلًا. أتساءل عن موهبتي -إذا كانت هنا غير موهومة- ثم عن موهبة من أتوسم فيهم خيرًا: هل نحن جميعًا "نأكل الكلام"؟ هل كنا فهلوية اللحظة الذين يتلاعبون بفنون الآخرين دون إعادة خلق معنى حقيقي؟ فقط سخرية وجدال واستعراض الفهم الممل؟ طبعًا دون إجابة يظل سؤال مستمرًا، وربما كرامتنا كلها في استمرار حيرته.
جيل يسعى كل يوم إلى خلق معنى وسط الفوضى. التساؤل عن محيطه بلغة تسعى إلى إنتاج معنى أصيل، ربما يحدث يومًا ما، رائقًا، مثل بدايات سبتمبر الحالي، يفهم فيه البشري أزمته، بمساعدة عمل فني ذكي، خطاب مباشر لكنه قادرًا على المواجهة، على سواء لدى "بينج بونج" وأبطالها الذين يصعب حصر أسمائهم أمام الكاميرا أو "لمؤاخذة" خلفها، أو حتى بحضور طيف من أفكار عرضتها القناة ثم طوّرها فنان آخر مجهول، لكنه مثلنا كلنا، ابن جيل يحتاج قصص جديدة، يحكيها بنفسه.
اقرأ أيضا:
كارول سماحة تحتفل بعيد ميلاد ابنتها تالا: . إنت الفرح والأمل
فيديو- مراحل تحول محمد فراج إلى "الشيخ علاء" في "لعبة جهنم"
8 معلومات عن ألكسندر ألين خطيب زينة أشرف عبد الباقي ... والدته مصرية و"البلياردو" سبب تعارفهما
لا يفوتك: عاوز تعرف مين هو أغنى ممثل في العالم خارج هوليوود؟ 😉تعالى نقول لك ✋
لا يفوتك: لو فيلم تايتانك اتعمل منه نسخة مصرية مين يبقى الأبطال
حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz>