"نهار عابر" ... حين يصبح الحب استراحة حرب

تاريخ النشر: السبت، 22 أغسطس 2026 | آخر تحديث: السبت، 22 أغسطس 2026
ريم حجاب وخالد كمال في مشهد من فيلم "نهار عابر"

في زمن تتصدر فيه سرعة الأحداث وقسوتها، تتحول مشاعر ومواقف كان يمكن أن تصبح قصص حب ناجحة إلى مجرد أشياء عابرة تترك ذكري دون اكتمال. الفيلم القصير «نهار عابر» لرشا شاهين لخّص ما أقول في عشرين دقيقة تقريبًا، ولكن ربما كان اليوم الذي مرّت به البطلة والبطل يومًا عابرًا بمتعة لدقائق، بينما بالنسبة إلى المشاهدين لن يكون الفيلم عابرًا، بل يدفعنا إلى الكثير من التأمل والتساؤلات.

الصورة التي عبّرت عن قسوة الحرب وأشياء أخرى.

تجذبني الأعمال التي تتمحور حول الضعف الإنساني ووضعه في محك حقيقي، فاختارت المخرجة رشا شاهين أقسى ظرف قد يمر به الإنسان، كي تضع شخصياتها تحت وطأة احتياجات إنسانية ضاغطة، بعضها يتعلق بالبقاء.

تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا

الحرب... الظرف القاسي الذي يدفع ضريبته الإنسان بذنب لم يقترفه. فنتابع حياة امرأة سورية تعيش وحدها تحت إنذارات الخوف الدائمة، من صوت الأسلحة والصواريخ إلى الخوف من الوحدة، حيث يصبح الخوف من الموت هو أقل خوف يمكن أن ينال من الإنسان في هذه الظروف! حيث الموت ربما يكون نهاية لدائرة الخوف المستمر، وبداية أخرى في العالم الآخر. وقد جسدت دورها الفنانة ريم حجاب ببراعة شديدة أمام الفنان خالد كمال، في دور مهم ومختلف وديودراما مميزة.

في كادر مميز، يبدأ الفيلم من ممر ضيق مظلم ببيت دُمّرت أجزاء كبيرة منه، تمشي فيه امرأة بملابس سوداء، فيعبّر الكادر عن حالة الضيق والاختناق التي تعاني منها.

نتابع حياتها في سيناريو محكم اعتمد على حبكة رئيسة واحدة تخدم طبيعة الأفلام القصيرة، واعتمد على الصورة أكثر من الحوار، خاصة في بداية العمل، كي نعرف عنها أكثر. فهي، رغم بشاعة الحرب، تحاول التمسك بالصلابة النفسية عن طريق الاهتمام بالنظافة الشخصية والنظام، من الاستحمام بأبسط الطرق إلى نظافة ملابسها القليلة وأغطية سريرها.

الملصق الدعائي لفيلم "نهار عابر"

ورشا شاهين، مخرجة العمل، هي كاتبته أيضًا، حيث يصبح الفيلم من رؤيتها الخاصة في توظيف التفاصيل لشرح قسوة ما يعانيه الإنسان تحت ظل الحرب، مثل الاعتماد على أكل التراب أحيانًا لتوفير ما تبقى من طعام بسيط، إن كان من حبات الفاكهة وغيرها، ليوم آخر، وكذلك استخدام كل أداة بسيطة لصالحه، وكل أثاث نصف خرب لاستخدامه، وأي وسيلة قديمة للتواصل مع البشر. هذا ما عكسته الصورة لدقائق جذبت المشاهد دون ملل، رغم قلة الحوار في بداية العمل.

فيما خصصت رشا شاهين شريط الصوت ليسند التعبير بالصورة، من أجل إبراز مشاعر الخوف التي تسيطر على الأجواء وأشياء أخرى. فليست الذخيرة وحدها والأسلحة والصواريخ التي تصدر أصواتًا توتر البطلة والمشاهد معًا، بل عناصر مختلفة، مثل صوت رنة الهواتف الخلوية القديمة الرتيبة التي تتكرر مع كل اتصال، فتجعل البطلة تخرج غضبها وتوترها أحيانًا في التعامل مع الهاتف نفسه، وكذلك صوت الأكواب التي كُسرت بشكل غير متوقع.

كل شيء في العمل كان له دور وظفته رشا بذكاء، فحتى الثلاجة التي تكاد تعمل بعطل بسيط أصدرت صوتًا يعبّر عن هذا العطل، ليقطع لحظة مهمة بين البطلة والبطل، التي حاولت الاقتراب منه لتصعّد الحدث إلى الإشارة لاستعدادها لممارسة الجنس.

الحرب التي تغير طبيعة البشر ... والبحث عن الأمان والمتعة كلغة بقاء.

تحت ضغط الاحتياج إلى البقاء، قبلت البطلة أن تمارس الجنس من أجل المال مع رجل كل معرفتها به عن طريق مكالمات هاتفية، في تحول يمكن أن يحدث للأشخاص تحت قسوة الحرب والجوع، مقابل احتياج رجل لمتعة عابرة كمحاولة للشعور بالحياة، ولو كان الموت بكل نَفَس حوله.

لم تذكر رشا شاهين اسمًا لهما كي تجرّد الأمر وتجعله إنسانيًا بشكل بحت. ولم ترضَ المرأة بعرض الرجل فقط من أجل المال والبقاء، حيث لم يتبقَّ لها من الطعام سوى الندرة، ولكن من أجل الخوف من الوحدة أيضًا. فأملت المسكينة في ونس تحت ظل شبح الوحدة والخوف، وخاصة أنه استخدم أساليب تتسم بخفة الدم، كالغناء لها بصوت سيئ عبر الهاتف، وإطلاق صوته مع الرياح كي يقنعها أنه قادر على الغناء لها.

فلم يعتمد فقط على الضغط عليها بشكل مباشر ومستفز باحتياجها إلى المال من أجل ضمان أيام أخرى حية بطعام وشراب، ولكنه كان على قدر من الذكاء العاطفي جعله يحاول إقناعها باستمالة قلبها نحوه بالمزاح، رغم ثقل الأحداث، والغناء، وتحديها في أنه يستطيع إصلاح ما لم تعرف إصلاحه.

فهناك راديو أصر الرجل على إصلاحه كي يوحي لها بأنه يصلح للاعتماد عليه. ومع المواقف الإنسانية البسيطة التي ظهر فيها اهتمامها به وخوفها عليه، أصبحت هناك مشاعر مختلفة، بعيدًا عن المنفعة المتبادلة بين رجل يبحث عن دوبامين سريع في ممارسة الجنس، وسيدة جائعة تحتاج إلى المال. وظهر الاحتياج الإنساني إلى الاهتمام والعاطفة والأمان والراحة في رغبة الرجل خاصة في إسناد رأسة على صدرها واحتضانها، والسؤال الذي باغتها به و فتح مجالًا للحديث عن آلم مشترد في فقد الأحباء.

"نهار عابر" حصد عدة جوائز في مهرجانات دولية

الديكور والأداء ... عناصر أخرى مميزة بالعمل

أن تنقل سوريا تحت الحرب إلى مصر أمر ليس سهلًا، إلا على الفنان الكبير أنسي أبو سيف، الذي جعلنا نصدق أن هذا النهار العابر كله في سوريا، في هذه الظروف. فمن الكرسي الصدئ إلى السرير البسيط، والأخشاب في كل مكان، والمرآة المكسورة التي عكست الحالة والحال، والبيوت التي دُمّرت؛ كلها أشياء وتفاصيل لعبت دورًا كبيرًا في نجاح هذا العمل.

على صعيد آخر، يكون التحدي الأكبر للممثل أن يعتمد على لغة الجسد بدلًا من الحوار، مثلما حدث في هذا العمل مع الفنانين المميزين ريم حجاب وخالد كمال، فيما قابلهما تحدٍّ آخر، وهو التمثيل باللهجة السورية، التي لم أشعر لحظة واحدة بأنها مفتعلة.

والفنانة ريم حجاب أضافت للشخصية قوة ظهرت للمشاهد من خلال استخدام نبرة صوتها في وضع حدود بينها وبين الرجل الذي ظهر في حياتها من سماء الحرب. فلم يكن الصمت وحده أداة للتعبير وسط الحوار عن الحزن أو التردد في الإجابة عن الأسئلة، ولكن استخدامها لنبرة صوت عالية وطريقة الكلام السريعة الغاضبة أعلنت عن شخصية صلبة تحدد متى تفعل ما اتفقت عليه.

في حين جسّد الفنان خالد كمال مشاعر الخوف بشكل أعمق، لأنها تدل على الشخصية؛ فالرجل الذي فقد أسرة كاملة يخاف التعلق بامرأة، ويهابها مع أول ظهور له. ونحن أمام ممثل من النادرين القادرين على التعبير بالعين عن أكثر من شعور في اللحظة الواحدة، مع استخدام لغة الجسد معها. فجحوظ العين نحو نقطة في الهواء يعني الترقب، والنظر بعدها إلى الأرض يعني احترام الحدود، وإدارتها في كل مكان تعني الفحص، وتحريكها يمينًا ويسارًا سريعًا يعني التوتر، وتثبيتها تجاه البطلة ثم التراجع إلى الخلف يعني القلق من المفاجأة.

وفي الوقت نفسه، يستطيع، كما ذكرت في أعمال أخرى أكثر من مرة، أن يوظف ملامحه وتغييرها لأجل أي شخصية. فقد أطلق لحيته وترك بعض الشعيرات البيضاء لتدل على حالة الرجل وعمره، رغم اهتمامه بنظافة الملابس كي يحصل على ما يريد، ولكن هناك أشياء لم يستطع تغييرها تحت ظروف الحرب.

النهاية التي تمنيت أن تكون مختلفة

لم ينتهِ العمل بالنهاية التي تنتصر للأمل. فحدوث القصة في النهار، وتسليط الضوء على الزرع في بيت البطلة، أعطياني أملًا في تطور هذه العلاقة، ولكن النهاية واقعية من حيث رؤية رشا شاهين، وتناسب شخصية الرجل الخائف من التعلق، والذي يبحث عن دفعة ومتعة عابرة تجعله يصمد لأيام أخرى.

فيما ترك البطلة وحدها أمام صوت الرياح العالية، والشباك الذي ينفتح ويكشف دائمًا الفراغ في الخارج، ليعكس الفراغ العاطفي داخلها، والأغاني التي افتتح بها الفيلم وانتهى.

الفيلم من إنتاج شركة ريد ستار، وحصد عدة جوائز في مهرجانات دولية، منها جائزة أفضل إخراج في مهرجان السينما والمواساة في الدار البيضاء.

اقرأ أيضا:

ميرنا الهلباوي تحتفل بعيد ميلادها مع زوجها أحمد السعدني ونجله

مؤلفة "حكايات من غرف العمليات": الأخطاء الطبية في "بنج كلي" حبكة درامية كان يمكن تداركها اذا سألوني

فيديو - عمرو مصطفى يفاجئ الجمهور بنشر جزء من أغنية جديدة من مسجل هاتفه الشخصي

ريهام عبد الغفور: كان نفسي أقدم جزء ثاني من "غرفة 207"

لا يفوتك: فنانات مش هتسمع اسمهم في أي مشكلة: مي عز الدين وغادة عادل وصبا مبارك

لا يفوتك:
بشرى وسوسن بدر في لحظة اندماج مع أنغام في الساحل الشمالي😍


حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)

جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt

آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ

هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz>