احذر مما تتمناه! رحلة بين هوس الحب ورعب الأماني في Obsession

تاريخ النشر: الجمعة، 10 يوليو 2026 | آخر تحديث: الجمعة، 10 يوليو 2026
لقطة من فيلم Obsession

* د.أحمد مجدي ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس

بعد أن كسر "بير" (يلعب دوره مايكل جونستون Michael Johnston) عود من شجرة الأمنية الواحدة One Wish Willow الغامضة السحرية ليظفر بقلب حبيبته نيكي (تلعب دورها إيندي نافارايت Inde Navarrette)، ويتمنى أن تحبه أكثر من أي شخص في العالم، يجد نفسه، يحصل على ما رغب، والأمنية تتحقق واللعبة تتحول إلى حقيقة، وتقع نيكي في حبه، لكنه سرعان ما يكتشف أن بعض الرغبات تأتي بثمن باهظ ومظلم قد يكلفه حياته، حينما تتحول الأماني إلى كابوس مظلم في رحاب علاقة عشق مميتة.

Obsession

يعد فيلم الرعب النفسي "هوس Obsession" للمخرج كاري باركر Curry Barker ، من أنجح أفلام الرعب هذا العام (تم طرحه في مايو 2026)، ويدور حول مخاطر تحقيق الرغبات، وهوس الحب، إذ يدفع الفيلم المشاهدين إلى التساؤل عن مشاعرهم ورؤيتهم لفكرة الالتزام الأخلاقي بين الشريكين في علاقات الحب، وذلك في إطار دموي مثير، يكشف عن تداعيات الهوس والجنون في الحب، وذلك من خلال حبكة يقودها بير الخجول الذي يسعى إلى الارتباط بصديقته نيكي، لكنه لا يتمكن من مصارحتها أبدًا بمشاعره، فيلجأ إلى حل سحري قد وجده مصادفة عندما يبتاع قطعة سحرية (عود من شجرة الصفصاف) من أحد المتاجر العتيقة، وهذه القطعة تحقق الأماني عند كسرها لنصفين، وفي لحظة يأس يستخدمها بير ظنًا أنها مجرد مزحة ثقيلة، متمنيًا أن تحبه نيكي، ولكن الأمنية تأخذ منحى أخر عندما تصاب نيكي بهوس جنوني تجاه بير، وتحدث الكوارث تباعًا نتيجة هذا الهوس، فيسعى إلى عكس الأمنية ولكن بعد فوات الأوان.

على الرغم أن قصة الفيلم ليست جديدة أو مبتكرة، ولكن تظهر القدرة الكبيرة للمخرج على صناعة وتنفيذ المشاهد بشكل يثير مشاعر التوتر لدى الجمهور من اللحظات الأولى، وذلك من خلال الإخراج، والتمثيل المتقن من إندي نافاريت عبر الضحكات العصبية وصوتها الجنوني وبكائها في المشاهد، وهدوئها وابتسامتها المخيفة في بعض لحظات الصمت المطبق، التي تعطي انطباعًا أنها ممسوسة بروح شيطانية تقودها نحو الاستحواذ والسيطرة على قلب وكيان بير بكل الطرق، مما يخلق جوًا مشحونًا بالتوتر، يقدم صورة مختلفة لأفلام الرعب التقليدية التي تستعرض الوحوش والأرواح والأشباح، فهو فيلم مُقلق، يقدم رؤية مفادها أن أشدّ ما يُثير الرعب أحيانًا ليس القوة الخارقة الكامنة وراء الطبيعية، بل الرغبة الإنسانية لبير التي دفعت جميع الأرواح الشيطانية في التجسد خلف وجه نيكي الملائكي.

Obsession

ولم يتم استخدام موسيقى تصويرية مثيرة للتوتر كما هو معروف في أفلام الرعب عندما يود صناع العمل إثارة مشاعر الخوف، حيث أن كل لحظة صمت في هذا الفيلم كانت مرعبة تمامًا مثل لحظات الرعب المفاجئة نفسها، وذلك بفضل شخصية نيكي.

ولذلك تكمن روح الرعب الحقيقية في الفيلم في تقديم الشخصيات بشكل مرسوم بدقة شديدة، فنرى عذاب نيكي الوجودي، وكيف أصبحت أسيرة
داخل وعي وجسد وروح يحاولون بشتى الطرق فرض جميع ألوان وصنوف الحب على الشريك الآخر، دون رغبة حقيقية منها، بل تحت تأثير السحر، فقد تحول هوس بير إلى لعنة للفتاة، فتُسلب منها حريتها واستقلاليتها، وتُضحى بكل شيء رغمًا عنها في سبيل رغبة قلبه، وذلك يظهر في شكل كارثي مرعب يجمع بين المقاومة والهوس، فتتحول نيكي مع الوقت إلى قرين مرعب مرافق لـ بير، يقتل ويتصرف بشكل غريب من أجل الاحتفاظ به في عالمها الشيطاني الخاص، ويتخلل ذلك بعض لحظات الإفاقة من سطوة التأثير السحري، وهذا المزيج المتناقض يشعل أجواء التوتر والرعب أكثر وأكثر داخل الأحداث.

Obsession

تبدأ نيكي كشخصية متزنة ومألوفة ومحبوبة، لكن بعد ذلك، نشهد تُحوّلها إلى كيان غريب ومُدمّر عاطفيًا، تتصرف بشكل جنوني ووحشي، وتتوقف أحيانًا عن الكلام في منتصف الحديث حائرة بين نفسها وبين ما أصبحت عليه، شعورها بالانفصال عن جسدها يزداد مع كل مشهد، تأذي نفسها وتأذي من حولها، وكلها تفاصيل تخلق إحساسًا دائمًا بوجود شيء خاطئ يكمن في أعماقها.

كما تنجح شخصية نيكي في الحفاظ على إثارة مشاعر الخوف والحذر داخلنا في جميع أوقات الفيلم، حتى تلك المشاهد التي لم تظهر فيها، حيث نظل في حالة ترقب في كل مشهد خشية من ظهورها في أي لحظة أو في أي ركن من أركان المشهد تراقب بير، مثلما كانت تفعل في مشاهد نومهما سويًا، حيث كانت تظهر فجأة في ركن من أركان الحجرة المظلمة تحدق في بير أثناء نومه، أو في خلفية مشاهد بير، تراقبه من بعيد وهي تبتسم، وذلك لتضخيم فكرة إحاطتها له من جميع الجوانب وهوسها الكامل به، ليتم طرح هذا التساؤل المرعب في كل مشهد: ماذا لو تحولت الحبيبة من إنسانة إلي كيان ممسوس أسير لرغبات شخص آخر؟


Obsession


ومن ناحية أخرى نشعر بأعباء الحزن والندم الذي يثقل كاهل بير والشك الذي لا يرحمه، إذ يحاول التيقن من سبب حب نيكي المفاجئ له، هل جاء نتيجة لمشاعر صادقة، أم كان بسبب الأمنية التي تمناها؟ ويظل في حالة الشك هذه طيلة أحداث الفيلم، فتتحول حياته من الاستمتاع بالحب ومحاولة التنصل من مسؤوليته عما حدث لنيكي لأنه يُحقق له مصلحته، إلى جحيم الشك، حيث في النهاية يكتشف من صديقتهما المشتركة سارة أن نيكي كانت تواعد صديقًا لهما، وأنها لم تكن تخطط بالارتباط بـ بير من الأساس، وهنا يتأكد أن الحب في هذه الحالة قد يتحول إلى علاقة مميتة، عندما تتدخل القوى السحرية في الأمر. يحاول بير وقتها إبطال الأمنية، لكنه يكتشف استحاله ذلك، ولا مفر من إلغاء الأمنية إلا بموته!

أخيرًا ينجح فيلم "هوس" في جعل الجمهور يشعر كما لو أنه محاصرًا داخل كابوس بير العاطفي وذلك لتسليط الضوء على فكرة الوحدة وانعدام الثقة في النفس والهشاشة النفسية في العلاقات الرومانسية، فبدلًا من أن يبحث الإنسان عن الارتباط كوسيلة للسعادة، يتحول ذلك الشعور إلى محاولة لقولبة الآخر والاستحواذ عليه وتحويل الحب من علاقة قائمة على التفاهم إلى سلاح يُستخدم لإلغاء ماهيته، ولذلك يقدم الفيلم رؤية نفسية غير نمطية لمخاطر التعلق والهوس المرضي، وكيف أن الحب المُشوه يمكن أن يتطور ليصبح قيدًا خانقًا، يُمحي الشعور بالتواصل الحقيقي مع الشريك، ويُحوّل الحب إلى شيء كابوسي، ينتهي بتبادل العلاقة السامة بينهما.

وتكمن عبقرية الفيلم في طرحه للفكرة الأهم وهي؛ أن الأمنية بحد ذاتها ليست هي الشيء المرعب، بل طريقة طلب الأمنية وعقلية طالبها، فقد أراد بير أن تحبه نيكي أكثر من أي شيء في العالم، وقد صاغ مطلبه على ذلك النحو، لتكشف ذلة لسانه عن رغبة نفسية دفينة داخل عقله الباطن في أن يكون محور حياتها، وأن تحبه بشكل يفوق كل الحدود المنطقية، لدرجة الوصول إلى حد الهوس، بغض النظر عن رغبتها. وما يبدو في الظاهر أنه مجرد أمنية بسيطة وساذجة من شخص عاشق مشوش وغير واثق بنفسه، يكشف في الباطن عن رغبة غير واعية في أن يمتلك حبيبته بشكل أناني.

فلم يكن بير يتمنى تحقيق أمنيته، نظرًا لاستحالة أو صعوبة وجود أي تواصل بينه وبين نيكي، بل إن الفيلم يُظهر العكس تمامًا، فهناك بعض الإشارات التي تؤكد إمكانية حدوث العلاقة، فصداقتهما تشهد بعض المواقف التي تثبت تقاربهما من بعض، مما كان سيمهد الطريق إلى علاقة حب سوية.

ولكن ما يريده بير في الحقيقة ليس علاقة الحب بمفهومها المعروف، بل الوصول إلى قلب نيكي بشكل فوري ومؤكد، لخوفه الشديد من الرفض، وذلك بسبب هشاشته النفسية التي تجعله عاجزًا عن تحقيق ما يتمناه في الواقع عبر المواجهة والمصارحة، فيلجأ إلى طريقة أخرى مغايرة تثبت انفصاله الكامل عن عالمه الحقيقي، وتكشف عن هوسه هو نفسه بحبيبته لدرجة أنه عندما تسنح له الفرصة، فيختار أسوأ طريقة للفوز بقلبها، ويتسبب في سلب إرادتها وفرض خياراته عليها، مما يجبر الجميع في النهاية على سلوك طريق مُظلم متبادل من الهوس والجحيم الأبدي، لينجح الفيلم في النهاية في تقديم صورة رمزية غير نمطية لعلاقات الحب السامة، محققًا أكثر من 400 مليون دولار في شباك التذاكر، رغم ميزانيته الضئيلة التي لا تتخطى 750 ألف دولار فقط.