أحمد شوقي
أحمد شوقي تاريخ النشر: الأحد، 24 مايو 2026 | آخر تحديث: الأحد، 24 مايو 2026
صورة من فيلم أرض الأب

بالنسبة للمؤرخين، يُعد يوهان جوته وتوماس مان الاسمين الأكبر في تاريخ الأدب الألماني. لكن هل كانت هذه المكانة دائمة؟ وهل تنفي عن صاحبها ما قد يكون قد أقدم عليه خلال حياته من اختيارات؟ هذا هو المدخل الذي يمكن منه أن نلتحق برحلة "أرض الأب Fatherland"، فيلم المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي المتنافس في المسابقة الدولية لمهرجان كان التاسع والسبعين، والذي تصدر حتى نهاية المهرجان أغلب قوائم تقييمات النقاد لأفلام المسابقة، قبل أن تمنحه لجنة التحكيم جائزة أحسن مخرج بالمناصفة مع الفيلم الإسباني "الكرة السوداء".

بافليكوفسكي يحتفظ بنفس القواعد التي خلقت شهرته العالمية من خلال فيلميه السابقين المرشحين للأوسكار "إيدا Ida" و"حرب باردة Cold War"، فيصوّر الفيلم بالأبيض والأسود بنسبة أكاديمية (صورة مربعة كلاسيكية)، يعود بالأحداث لتاريخ أوروبا المعاصر، ويطرح أفكارًا تتعلق بكيفية تعامل الفرد من التساؤلات الأخلاقية التي تظهر خلال الأحداث التاريخية الكبرى، وهي عناصر تتكرر في الأفلام الثلاثة بما يجعل من الممكن اعتبارها ثلاثية متكاملة، حتى وإن لم يعلن صاحبها ذلك.

الأبطال هنا شخصيات معروفة تاريخيًا: أدب ألمانيا العظيم توماس مان وابنته إريكا، الكاتبة هي الأخرى وإن كانت ترافق والدها كمديرة لأعماله خلال جولة خاصة جدًا يخوضها في الأعوام التالية للحرب العالمية الثانية. مان الذي خشى من اضطهاد النازية إذ لم يخضع لها ترك ألمانيا مبكرًا واتجه إلى الولايات المتحدة ليعيش فيها ويحمل جنسيتها، وها هو يعود إلى وطنه بعد الحرب من أجل تلقي جائزة تحمل اسم يوهان جوته، الاسم الذي سبقه على قمة هرم الأدب الألماني.

لكن رحلة العودة تمتلك طبيعة خاصة جدًا، بسبب مسارها أولًا وما يقع خلالها ثانيًا، فمان عليه أن ينتقل بين فرانكفورت وفايمار، أي بين جانبي ألمانيا المقسمة بين غربية وشرقية. فرانكفورت الخاضعة للنفوذ الأمريكي والتي تبدأ خطوات التحول مركزّا للرأسمالية العالمية، وفايمار مسقط رأس جوته التي تنتمي للمعسكر الشرقي وتستلهم النموذج السوفيتي في كل شيء. المكان مختلفان كليًا للوهلة الأولى، لا يجمعهما سوى تقدير الجميع لتوماس مان، وإيمانه بأن انتقاله بين الضفتين لتلقي التكريم هنا وهناك سيحمل رسالته بوحدة ألمانيا ورفض التقسيم.

هذا عن مسار الرحلة، أما ما يقع خلالها هو تلقيه نبأ انتحار ابنه، الفنان المغمور المكتئب الذي اختار بافليكوفسكي بدء فيلمه بمكالمة طويلة يجريها مع شقيقته يبدو مضمونها اعتياديًا بينهما، لكن يمكن عند تفسيرها بأثر رجعي أن ندرك كونها استغاثة أخيرة واعتراض على العالم الذي لم يجد الشاب فيه نفسه، بينما تُفتح كافة الأبواب لوالده الذي يكرمه الشرق والغرب معًا.

حسنًا، لا غبار على أن توماس مان استحق تقديره التاريخي، لموهبته الاستثنائية أولًا ولقراره ثانيًا بألا ينحاز للنازي وقت صعوده، لكن الحرب قد انتهت والنازي قد سقط، وإن لم تنته أصداء الأفكار العنصرية للأبد، فمان يسمعها خلال رحلته في أغنيات يرددها الشباب الألماني في الشوارع.

من الخاطئ إذن أن نرى في انتحار الابن انعكاسًا لنجاح الأب، لكنه تعبير عن حالة انعدام الوزن الذي يرصدها الفيلم، يعيشها رجل شاهق القيمة، امتلك من التقدير ما يجعله يرفض الانحياز لأي طرف، فقد انحاز مرة واحدة قبل سنوات واليوم يحمل رسالة الوحدة الألمانية والقيم الإنسانية.

عند هذه الرسالة يظهر السؤال الأهم الذي يطرحه الفيلم، حول قيمة الكلمات البرّاقة المنسوجة بمهارة كاتب حائز على نوبل في الآداب، عندما تغدو مجرد زخارف خلوة من المعنى، يكتبها الرجل انتصارًا لصورته الذهنية لدى الجميع أكثر من رغبته في دخول معركة حقيقية من أجل القيم التي طالما دافع عنها. ولعل أحد أكثر مشاهد الفيلم درامية (في عمل لا ينحو صانعه كثيرًا نحو الإفراط في التعبير الدرامي) هو المشهد الذي يكسر شاب فيه الحصار المهذب المفروض حول مان في ألمانيا الشرقية، ليخبره عن معسكر اعتقال وحشي ويطلب منه أن يتحدث عنه خلال كلمته في الصباح التالي، ليُدخل الرجل في حيرة منبعها غرور الفنان: هل أدخل معركة ستفقدني رمزيتي المُبهرة؟ أم أتجاهل الأمر برمته لتسير الرحلة التوافقية كما خُطط لها؟ نترك الإجابة لمن سيشاهدون الفيلم لاحقًا.

مثل أدب توماس مان نفسه، ينظر المخرج الموهوب بافيل بافليكوفسكي للعالم باعتباره موضعًا لاختبار البشر أخلاقيًا، فحتى أكثر الكوارث التاريخية عنفًا والتي لطالما ألهمت آلاف الفنانين بدراما خارجية، يراها الفنان مساحة مثالية لطرح أسئلة عميقة، صالحة لكل زمان ومكان، فصحيح أن "أرض الأب" يُمكن قراءته كحكاية عن إعادة إعمار العقل الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكن يمكن أيضًا تفسيره وفق عالمنا المعاصر، كدعوة لمسائلة الثقافة العالمية التي تنادي بالمساواة والاندماج وترفع الشعارات المُحبة لكل البشر، بينما يغض كثير من المبدعين أنظارهم عن كوارث إنسانية تحدث هنا وهناك.

الفيلم يخبرنا أن هذا الاختيار أكبر من تفسيره بحسابات المصالح أو حتى العنصرية، لكنه يربطه بنفسية المُبدع وصورته المفترضة أمام العالم، متسائلًا عن أخلاقية اللحظة التي يدرك عندها الفنان أن أسطورته الشخصية أهم من العالم حوله. وإذا كان أديب عظيم آخر هو لورنس داريل قد كتب في رباعية الإسكندرية "ربما كانت أشد الأوهام رقة وفجيعة هي إيمان المرء بأن أفعاله قادرة على أن تزيد أو تنقص من حجم الخير والشر في العالم"، فإن بافليكوفسكي يخبرنا إن ذاك المرء لو كان توماس مان، فربما تكون رؤية داريل قاصرة بعض الشيء.