* د.أحمد مجدي ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس
طرحت شبكة نيتفيلكس أحدث أفلامها التشويقية، لهذا الموسم وهو فيلم Apex للمخرج " Baltasar Kormákur بالتسار كورماكور" وللممثلة المخضرمة "Charlize Theron تشارليز ثيرون" (في دور ساشا) وتقوم فيه بدور مُغامِرة ومتسلقة جبال خبيرة، تبحث عن تحدي جديد بعد مصرع زوجها في حادث تسلق، كان يجمعهما سويًا. وتحت تأثير الشعور بالذنب لتسببها بشكل مباشر في موته بعد أن ألحت عليه لتسلق الجبل، رغم رفضه أكثر من مرة خوض هذه المجازفة المحفوفة بالمخاطر، تحاول ساشا أن تخوض مغامرة جديدة لتتخطى الماضي، ولكنها تجد نفسها فريسة في براري أستراليا لرجل مختل عقليًا يدعى "بن"، يؤدي دوره "Taron Egerton تارون إيجرتون" يحاول ملاحقتها.
الفيلم يصنف من ضمن فئة أفلام محاولات البقاء على قيد الحياة Survival Movies، وهو نوع من الأفلام يضع الإنسان مباشرة في مواجهة مع الطبيعة والظروف المناخية الصعبة التي يحاول فيها البطل الفرار من مصيره المرتقب، ويتبدل الحال هنا في الفيلم وتصبح الطبيعة هي خير مساند للبطلة في مواجهة قاتل مهووس في براري أستراليا يحاول النيل منها، حيث تستخدم ساشا خبراتها في التسلق والمغامرة في الهرب من القاتل طيلة أحداث الفيلم.
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
يسلط المخرج الضوء من بداية الأحداث على قوة ساشا الجسدية التي تمكنها من تسلق جبل ترول النرويجي الشاهق المغطى بالثلوج، وعلى الرغم أن المشهد الافتتاحي يوضح تلك القوة الجسدية التي سوف تجعلها تمثل ندًا لأي تحدي، وخاصة أن جمهور السينما يعرف جيدًا تشارليز ثيرون ومدى براعتها في فنون القتال وقدرتها على عمل المشاهد الصعبة بنفسها، حتى أنها قامت بعمل بعض المجازفات الحية في الأيام الماضية، وتسلقت بعض المرتفعات الشاهقة في ميدان Times Square أمام أعين الجمهور وعدسات المصورين، وذلك كجزء من دعايتها المبتكرة للفيلم. لكن المشهد التالي يكشف أيضًا عن مأساة ساشا، عندما لقى شريكها في الحياة وفي كل مغامراتها المثيرة، مصرعه ولم ينجح في تسلق ذلك الجبل، وتشعر ساشا بمسؤولية حيال موته.
ففي وقت سابق، بينما كانا في خيمتهما الصغيرة وقبل شروعهما في الوصول إلى قمة الجبل، كشف لها أنه سئم من مرافقتها في سعيها خلف المغامرات، وأن بوصلته الخاصة قد توقفت، وكأنها إشارة وناقوس خطر يحذره من مواصلة الطريق نحو القمة، لكنها تصر على الصعود فتحدث المأساة ويموت شريكها وتضطر إلى تركه يسقط وحيدًا، حتى لا تلقي حتفها هي الأخرى، بسبب تعلقهما معًا في نفس الحبل.
يتحول أداء ثيرون من الوهج والنشاط والحماسة إلى الكآبة والانطواء قليلًا، بعد هذه الحادثة التي من الواضح أنها شّكلت كسر لحالة الشخصية التي تلعبها، وهو ما جسّدته ثيرون ببراعتها المعهودة، بدون أن تفقد قوتها ورباطة جأشها، حيث تكمل مغامرتها بعد مرور خمسة شهور على الحادث، وذلك في مكان معزول بغابات أستراليا، ونراها تتعرض في البداية للتحرش اللفظي والبصري من بعض الصيادين، الذين يعتقدون أنها فريسة سهلة لهم لوجودها بمفردها، لكنهم لم ينجحوا في زعزعة ثقتها بنفسها، لتظل ثيرون في الفيلم تُجسد صورة المرأة القوية التي تواجه التحديات البشرية الذكورية، والتي من المرجح أنها أخطر بكثير من قوى الطبيعة، وذلك بظهور قاتل مهووس بعدها يحاول لعب دور الفريسة والصياد معها، لكنها تنتصر في النهاية بشكل شبه متوقع، وليس مفاجئًا لأفق توقع الجمهور، حيث أن قوة ثيرون العضلية ولياقتها البدنية وقدراتها المتفردة عن أي ممثلة في جيلها في مجال الحركة والأكشن، والتي تشتهر بها سواء في الواقع أو في أفلامها، تظهر بشكل جليّ في الفيلم، ومتوافق مع الصورة الذهنية التي يعرفها الجمهور عنها، لكي تقطع أي شك في احتمالية أن ينتصر الطرف الأخر حتى لو كان ذكرًا، فأصبح تفكير الجمهور منصبًا نحو ماذا قد تفعل ساشا بهذا المعتوه، وليس العكس كما تعودنا في هذه النوعية من الأفلام، وهو ما ترك مساحة أكبر لمتابعة مباراة التمثيل بين الطرفين، والثنائيات المثيرة بين هوس وجنون الصياد/ وقوة وثبات الفريسة.
تظهر شخصية "بن" في صورة الشخص الفصامي الهش المهووس بالطقوس الغريبة الخاصة بالأرواح وتناسخها. يحاكي" بن" طوال الوقت أصوات الحيوانات ويعيش مثلهم نتيجة لتأثره بعالم البرية، وهو ما جعله ينعزل داخل واقعه الخاص ويتحول إلى كائن متعطش للدماء، وهنا لا يطرح الفيلم سببَا واضحًا لتصرفات " بين" الغريبة والعدوانية سوى أنه مولع بفكرة الاستحواذ على الأرواح، حيث يبدو أنه لا يقتل فرائسه بشكل عشوائي، بل يختارها بشكل مدروس، بخاصة الذين يحملون سمات وقدرات متفردة، تجعل منهم فريسة تستحق عناء المطاردة، وذلك في إشارة هامة لتحوله إلى حيوان مفترس لا يقتات على دماء الضعفاء فحسب، بل يسعى إلى التحدي ومواجهة الفرائس صعبة المنال.
وأمام تأثره بفكرة الأرواح واستحضارها، فإنه يسعى إلى حصد أرواح ضحاياه بعد إقامة طقوس معينة، ظنَا منه أنه بذلك يحصل على القوة الكامنة لروح الضحية، وقد وجد في ساشا ما يبحث عنه بسبب قوتها، مما يجعلها روحَا تستحق الاستحواذ.
وفي نفس السياق يكشف حديثه المستتر عن أمه (تظهر صورتها بجانب سريره)، أنها كانت على ما يبدو أولى ضحاياه بسبب حبه الكبير لها ولشخصيتها المميزة؛ مما جعله يخطط لقتلها بطريقة طقسية، بهدف الاستحواذ على روحها، حتى تبقى داخله ومعه إلي الأبد، ولذلك يتحدث مع ساشا أثناء تقييدها، عن كونها أصبحت بديلًا لأمه، وأنه ينوي أن يُخضعها لطقوسه الغريبة كما فعل سابقًا مع أمه، حتى يظفر بروحها المميزة هي الأخرى، وهو حوار يكشف عن سبب مطاردته لساشا دون غيرها، وأنه لا يقتل لمجرد القتل، وأنما بسبب انحراف نفسي فصامي، يصور له واقع زائف يدفعه نحو الاستحواذ على أرواح أشخاص معينة.
الحوار يكشف عن الانحراف النفسي لـ"بين" الذي يُشعره بوجود تطابق بين شخصية الأم وشخصية ساشا، وهو ما يجعله يرى في ساشا ضالته الكبري، بشكل يدفعه إلى استحضار الصورة الذهنية المميزة لأمه في جسد ساشا، لكي يشعر بانتصار زائف لطقوسه التي تصور له أنه سوف يتوحد ويتحد روحيًا مع من يحبه. وأكثر المشاهد التي توضح هذه الفكرة، عندما يحدث تشابك بالأيدي بينه وبين ساشا فتقوم ساشا بكسر قدمه، فيظل يصرخ من الألم ويبكي مثل طفل صغير قامت أمه بمعاقبته على فعل خاطئ، ويظل ساعات طويلة مستلقي على الأرض يراقبها من بعيد في صمت وترقب، كما يراقب الصغير أمه، دون محاولة منه للانتقام منها أو قتلها رغم أن الفرصة سنحت لذلك أكثر من مرة، ويرجع ذلك كونه لا يود القضاء عليها سريعًا، بقدر رغبته في أن يمارس طقسه الروحاني الذي تلعب فيه دور الأم بشكل افتراضي داخل مخيلته.
بعدها تنفجر ساشا في البكاء معترفة لأول مرة بمسؤوليتها عن وفاة شريكها، أمام "بن"، وبعد هذا الاعتراف فإنها تضع خطة للإيقاع به عن طريق إقناعه أنها سوف تقوده للخروج من المكان بعد أن علقا معًا، ولا مفر من الخروج سوى تسلق مرتفعًا شاهقًا، ويوافق بن مقابل أن يحررها بعد الخروج من هذه المأزق، ولكن بمجرد أن تتسلق المرتفع، فإنها تفلت الحبل الذي يربطهما ببعض، فيسقط بن صريعًا، لتنتصر ساشا بمساعدة الطبيعة على الإنسان المتعطش للدماء، وتترك الماضي خلفها بعد هذه الرحلة التي قد تبدو في ظاهرها مجرد مغامرة خطيرة ليس إلا، بينما تتحول في باطنها إلى رحلة رمزية لتطهير ذاتها وروحها من أخطائها السابقة، ومن شعورها بالذنب. تلقي ساشا بوصلة شريكها السابق في البحر للدلالة على تخطيها لصدمتها السابقة، لتخوض بداية جديدة خالية من وطأة الحزن، وتؤكد أن كل إنسان عليه في وقت ما أن يفلت بعض الأشياء من يده، ولا يتوقف كثيرًا عند الماضي حتى لا يخسر المستقبل.
في النهاية نستطيع القول إن الفيلم يقدم وجبة مقبولة من الإثارة لمحبي هذا النوع من الأفلام، لكنه لا يقدم جديدًا يذكر على مستوى السيناريو أو الحبكة مقارنة بالأفلام الأخرى التي تنتمي لنفس الفئة، ويبقي أكثر الأشياء المميزة في الفيلم؛ عناصر التمثيل والأكشن والتصوير واستعراض الكادرات والزوايا للجبال والطبيعية أثناء مشاهد المطاردة، والتي تزيد من جو المغامرة والإثارة والمتعة.
اقرأ أيضا:
براءة غادة إبراهيم من تهمة سب وقذف بوسي شلبي
أيمن بهجت قمر ينفي زواجه: فكرة الجواز والاختيار بالنسبة ليا مش سهلة
أمير المصري بطل مسلسل مقتبس من رواية Metropolis العالمية
أيتن عامر وبيومي فؤاد ومحمد ثروت ضمن الحضور … المخرج وليد الحلفاوي يحتفل بخطبته
لا يفوتك: لو فيلم نيمو اتعمل بفنانين مصريين هيكون بطولة مين؟
لا يفوتك: المخرج نمير عبد المسيح صاحب "الحياة بعد سهام" الحائز على أكثر من 15 جائزة دولية يتحدث لـ(في الفن) 🎬
حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz5