نرجس وعزيزة وجهان لطفولة صنعت المأساة

تاريخ النشر: الأربعاء، 11 مارس 2026 | آخر تحديث:
عزيزة ونرجس

مع بداية النصف الثاني من شهر رمضان هذا العام بدأ عرض مسلسل "حكاية نرجس" بطولة ريهام عبد الغفور، وهو عمل يفتح الباب لإعادة النظر في واحدة من أغرب وأقسى الجرائم الاجتماعية في مصر، المرتبطة بالمرأة التي عُرفت بلقب صادم "عزيزة بنت إبليس".

قصة حقيقية تحول فيها الألم تدريجياً إلى شر، شردت معها الكثير من العائلات.

المسلسل مستوحى من وقائع هذه القضية، ويشارك في بطولته كل من حمزة العيلي وسماح أنور، وهو من تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء.

حكاية نرجس

ومع انتشار فكرة أن العمل مستوحى من قصة حقيقية، بدأت حالة جدل يتكرر كلما قُدمت أعمال درامية عن المجرمين: لماذا نستعرض حياة مجرم؟ وما الفائدة من إعادة سرد هذه القصص؟

هذا السؤال يبدو مشروعاً في ظاهره، لكنه يتجاهل وظيفة أساسية للفن، وهي محاولة فهم الإنسان قبل إصدار الحكم عليه، الفن يقدم الواقع لكن بأسلوب درامي مشوق وعليك أن تفرق بين تعاطفك مع الظروف التي دفعت المجرم ليكون ماهو عليه ووعيك بهذا الجرم وضرره على من حوله.

الجدل يتزايد مع تقدم حلقات المسلسل والتعمق في تفاصيل شخصية نرجس، يبدأ المشاهد تدريجياً في الشعور بشيء من التعاطف معها، ليس لأن أفعالها مبررة، بل لأن الظروف التي دفعتها إليها تصبح أكثر وضوحاً.

عند تتبع المسار النفسي لشخصية نرجس، تبدو الأم – التي تجسدها سماح أنور – النواة الأولى لعدم الاتزان. فالأم هنا شخصية متسلطة وقاسية، وهي التي تفرض سيطرتها الكاملة على البيت هذا المناخ المشحون ترك أثره الواضح على بناتها.

نرى الأخت الكبرى ضعيفة ومهزوزة، بينما تتحول نرجس إلى شخصية أكثر صلابة وميلًا للمكر مع رغبتها فالهروب من هذا البيت بأي طريقة.

السبب الأعمق لذلك يعود إلى النقد المستمر الذي تعرضت له نرجس منذ طفولتها. فالسخرية والتقليل الدائم غالبًا ما يولدان لدى الطفل حاجة مفرطة لإثبات ذاته، وخوفًا عميقًا من الفشل، ورغبة في السيطرة على الظروف. ومع الوقت يتحول ذلك إلى ما يشبه “الذكاء الدفاعي” عقل دائم التخطيط لتجنب الخسارة.

هذا ما يظهر في سلوك نرجس طوال الأحداث. فهي دقيقة في حساب التفاصيل، وتفكر في كل خطوة قبل الإقدام عليها.

حكاية نرجس

نرجس لا تفرض نفسها بالقوة، بل تستخدم وسائل أكثر ذكاءً مثل اظهار الضعف أو "المسكنة" كما أنها تبني لنفسها صورة اجتماعية مثالية؛ امرأة محافظة، تساعد الناس، وتحيط نفسها بسمعة طيبة.

هذه السمعة تتحول إلى درع اجتماعي، يحميها وقت اللزوم.

نرجس امرأة بدأت حياتها بسلسلة من الضغوط الاجتماعية القاسية تطلقت من زيجتها الأولى لأنها لا تنجب، وهو حكم اجتماعي قاسٍ كثيراً ما يُلقى بالكامل على المرأة. هذه الوصمة تحولت إلى عبء يلاحقها ويهدد استقرارها في زواجها الثاني.

تقبل الزواج من عوني، وهو رجل "ناقص" أو معيب كما يُقال شعبياً، لأنها تدرك أن لديها هي الأخرى عيباً في نظر المجتمع لكن خوفها من انكشاف الحقيقة يدفعها إلى إقناعه بأن مشكلة الإنجاب منه هو، حتى تضمن استمرار العلاقة وتحافظ على خطتها، لتصبح نرجس زوجة تتحمل عجز زوجها ليس لأنها "ست أصيلة" لكن لتخضعه لها.

ما تريده نرجس لن يتحقق دون ان يتحول عوني لقطعة عجين بين يديها وأكثر ما يذل الرجل ويشعره بالنقص في مجتمعنا هو عدم قدرته على الإنجاب.

ومن هنا تبدأ نرجس خطتها بخطف الطفل ومنذ تلك اللحظة تتحول حياتها إلى سلسلة من الأكاذيب التي تحاصرها، ومع كل خطوة تصبح العودة أصعب.

الجريمة التي ارتكبتها في الحلقات الأخيرة، بقتل والدة عوني أو بمعنى آخر تركتها تموت دون أن تساعدها في مشهد درامي عظيم وتنقلات كاميرا رائعة بين أنفاس أم جمال وهي تتلاشى و التركيز على جهاز الاستنشاق بجانب نرجس، جمود نرجس في الفراش وتحجر عيناها يدل على الانقسام الداخلي والصراعات التي تشعر بها فهي مضطرة لحماية السر مهما كلفها الأمر. و يبدو أن هذا السر لن يجلب إلا المزيد من الخراب لكل من ينبش فيه أو يقترب من نرجس.

وفي النهاية، لا ترى نرجس نفسها مذنبة بقدر ما ترى أنها كانت تحاول النجاة في ظروف قاسية دفعتها إلى هذا الطريق.

اما عن عوني الذي يجسده حمزة العيلي فلقد برع في تقديم الرجل الحنون ضحية تلاعب زوجته وتورطه تدريجيا معها
ضعف شخصيته الذي يظهر في انكسار عينيه نتاج لأمه أيضا التي تفرق بينه وبين أخوه وهكذا الأم في العمل تخلق سلسلة من الضحايا وكل منهم يقاوم بطريقته.

جسدت أم نرجس الفنانة القديرة سماح أنور وأم عوني الفنانة عارفة عبد الرسول، وكلتاهما قدمتا الأم المتسلطة بوجهة نظر مختلفة
في هذا العمل تمكن كل فنان من ترك بصمة الشخصية تطغى وتنحت شخصيته الحقيقية تماماً.

لا يقدم المسلسل تبريراً للجريمة، ولا يحاول تلميع صورة المجرم، لكنه يخبرك أن الإنسان العادي يمكن أن يتحول إلى مجرم
هشاشة البشر ليست واحدة و قدرتنا على تحمّل الأزمات والضغوط تختلف من شخص لآخر.

هناك من يمتلك قوة داخلية تسمح له بتجاوز المحن، وهناك من ينهار تحت وطأتها وهناك من تدفعه غريزة البقاء للسقوط في فخ الإجرام.
الفن يعرض هذه القصص و لا يدعونا إلى الاقتداء بأصحابها أبدا بل إلى فهم الظروف التي صنعتهم وهذا ربما يدفعنا إلى التعاطف مع المجرم وليس تبرئة أفعاله.

كل إنسان يحمل داخله إمكانية الخير والشر معاً الفارق الحقيقي في قدرتنا على تهذيب هذه النزعات ومراجعة أنفسنا باستمرار.

ولهذا تبقى الحكاية في جوهرها، تحذيراً أكثر منها تعاطفاً فبين الإنسان العادي و"عزيزة بنت إبليس" مسافة قد تبدو بعيدة، لكنها في الحقيقة تبدأ بغلطة صغيرة حين تطلق العنان للشر الكامن بداخلك.

في النهاية، الدراما لا تقدم إجابات نهائية بقدر ما تطرح أسئلة وعليك أنت أن تختار الإنسان الذي تكون عليه.

اقرأ أيضا:

نيللي كريم: استخدام لقب "صوت مصر" في "إخواتي" قرار المخرج ... وأنغام مثلت وعارفة يعني إيه سكريبت

فيديو - الشحات مبروك: تعليقات الجمهور عن "علي كلاي" وصلت لزوجتي وهي في العناية المركزة قبل وفاتها

مي كساب: المنافسة حلوة بس من غير غل وحقد

عمرو الليثي: عادل إمام بدأ تسجيل مذكراته تلفزيونيا

بيتر ميمي يرد على كابتن إيلا بعد تعليقها على مسلسل "صحاب الأرض"

حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)

جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt

آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ

هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz5