لا يقدم فيلم (السادة الأفاضل) نفسه بوصفه عملا ترفيهيا عابرا أو كوميديا تهدف إلى الإضحاك السريع، بل يطرح منذ مشاهده الأولى مشروعا سينمائيا يقوم على السخرية وعبث مطلق في تناول الواقع وتقديمه لنا بصورة تبدو مضحكة في ظاهرها ومؤلمة في معناها.
لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو في المشهد الافتتاحي تعد مدخلك إلى هذا العالم المليء بالفوضى. فالصورة لا تأتي بوضعها الأيقوني المعروف، حيث يمد آدم يده في انتظار نفخة الروح من الذات الإلهية، بل تأتي مقلوبة؛ الجسد الذي يحتل موقع آدم ليس جسد الإنسان الأول، بل جسد الأب المتمثل في شخصية الحاج جلال (بيومي فؤاد). هكذا يعاد صياغة اللوحة وتقدم بصورة معكوسة لتهيئك لما أنت بصدد مشاهدته.
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
"فيلم بسوستة وليس أربطة"، وهو تعبير اقتبسته من دينا صاحبة العكاز، وهي واحدة من شخصيات الفيلم الشابات، حيث أصبحت جملتها تريند مشهورا. أراها مناسبة جدا لطبيعة الفيلم، فكأن السوستة هنا ترمز للسهولة والحداثة المزيفة، والأربطة رمز لأصالة لم تعد موجودة.
يتبنى الفيلم رؤية إنسانية خالصة، يتجنب الكثيرون التعرض لها، خاصة في فيلم كوميدي يفترض أنه يخاطب شريحة واسعة من المجتمع.
لا أحد بريئا، ولا أحد ضحية. الجميع متورط بدرجات متفاوتة، والجريمة لا تخص فردا بعينه، بل منظومة كاملة تبدأ من الأب الفاسد الذي أنتج أولادا فاسدين مثله، ولكنهم أكثر حداثة وأكثر قدرة على التلون. الكذب هنا ليس بدافع النجاة من أزمة، بل أسلوب حياة، وليس في الأسرة وحدها، بل في المجتمع الذي يعيشون فيه جميعا.
يتمتع السيناريو بذكاء، حيث إنه لم يمنح شخصية خلاصا أخلاقيا، بل أدان الجميع (فكلنا مذنبون ولا أستثني أحدا)، حتى الابن الأصغر الذي يبدو في البداية بريئا لا يعلم شيئا عن مخططات أبيه وعمله السري، لكنه ليس سوى وجه آخر للفساد، حيث يرتمي في أحضان الطبقة البرجوازية المتمثلة في خطيبته لميس (هنادي مهنا)، والتي بالمناسبة ليست شخصية شريرة، ولكنها تكشف هشاشة الادعاء بالتحضر.
أداء الممثلين يتجاوز فكرة "الكوميديا" تماما. محمد ممدوح يقدم دورا مختلفا دون استعراض؛ شخصية متورطة وعصبية، مدفوعة بالخوف أكثر من الجشع، وكأنه مجبر على استكمال خطى أبيه، فيكون أشبه بشخصية كمال (نور الشريف في العار).
بيومي فؤاد، في مفارقة لافتة، يجسد شبح الفساد الذي يرفض الموت. انتصار ودنيا ماهر تقدمان نموذجين مختلفين للمرأة داخل منظومة الفساد: الأولى شريكة فيها، والثانية نتاج لتلك البيئة، تعرف الحقيقة لكنها لا تمتلك الشجاعة لمواجهتها.
يمكننا القول إن الفيلم هو التطور الحديث لفيلم العار، يسير بالتوازي معه في الكثير من الخطوط العريضة، حيث بموت الأب تتعرى الكثير من القيم، مع اختلاف كلي في التقديم.
فبيئة فيلم السادة الأفاضل خصبة لإنتاج نمط من الشخصيات المأزومة والمذمومة، ولكنها في الوقت نفسه مقبولة من الناس المحيطة بها.
"السادة الأفاضل" ليس فيلما سهلا، ولن يكون محبوبا على نطاق واسع، وهذا في صالحه لا ضده؛ فهو فيلم مستفز حتى في الكوميديا المقدمة بداخله،فهو لا يصرخ، ولا يرفع شعارات، قوته في برودته، وتقديمه لأدق التفاصيل بصورة واقعية.
يستكمل الفيلم هنا منطقة العبثية التي أسس لها الموت في "السادة الأفاضل" ليس حدثا تراجيديا، بل حالة مفتعلة انه موجود منذ اللقطة الأولى، لكنه بلا هيبة؛ نحيب بلا صوت، وبكاء بلا دموع، كلها طقوس مفرغة من معناها، تؤدى كما تؤدى أي مسرحية اجتماعية مفروضة، بلا إحساس وبلا صدق. وهنا تكمن جرأة الفيلم في كسر حالة الرهبة والخشوع تجاه الموت.
تماما كما تحول الحزن إلى أداء، والموت إلى خدعة، والبيت العائلي إلى مسرح. كل شيء في هذا العالم قابل للتمثيل، وقابل للتزييف، وقابل للبيع.
يعرض الفيلم جزاء الشخصيات بشكل غير منطقي، فنعود إلى فكرة الموت بلا هيبة؛ فهو هنا ليس عقابا أخلاقيا واضحا أو عدالة سماوية، بل مجرد حوادث مصادفة، كأن العالم قرر التخلص من أبطال الحكاية بلا معنى. فتنوع طرق الموت هو غياب المنطق بعينه: من خنق لغرق لحرق، كلها نهايات سريعة فجائية لا تترك أثرا وجدانيا أو تحدث داخلك تأثيرا عاطفيا، بل صدمات مضحكة، فكأنك كمشاهد أصبحت شريكا مع صناع العمل في فقدان هيبة الموت.
فالموت هنا أشبه بعالم الكارتون، لا تحكمه قوانين ولا يصحبه الحزن، والشخصيات ليست مجرد نماذج فردية، بل كائنات ساقطة أخلاقيا، فـالسادة الأفاضل ليسوا أفاضل بالمرة.
الأفعال الفاضحة تتراكم بلا تعليق أخلاقي؛ فنحن الآن في عالم تمت صناعته بشكل غير متوقع وفوضوي منذ المشهد الأول للوحة خلق آدم. شقيق يبصم جثة أخيه، زوجة تخطف المال لتنجو بنفسها من مركب غارق تاركة أولادها، أخ ينهب حصيلة سرقة بلا أخلاق، شباب يخططون لسرقة مكتب بريد في خضم حالة وفاة بلا ذرة تعاطف، حتى دينا العرجاء لم ترحمها علتها عن ممارسة البغاء، والذي فقد هيبته هو الآخر، وتحول لفعل يستدر الضحك لا الشفقة أو الاشمئزاز.
ثم يظهر "سمير أطاليا" بوصفه الوجه الأكثر فسادا؛ لا يتخفى وراء أعذار أخلاقية ، بل يمارس الابتزاز بوضوح، وهو على النقيض من باقي الشخصيات أكثر اتساقا مع نفسه.
لذلك الفيلم مزعج للبعض؛ لأنه لا يعاقب الشر لأنه شر، بل لأن الصدفة وحدها هي من قررت ذلك.
ومن منطق العبث نفسه، يبدو الفيلم وكأنه عبارة عن سكيتشات أو مقتطفات مجمعة، ولكنها بشكل غريب متناسقة، وكل مشهد يسلم الآخر بمنتهى السلاسة.
يؤكد أداء فريق الممثلين في "السادة الأفاضل" أن الاختيار لم يكن قائما على النجومية؛ هناك شعور حقيقي بأن الجميع يتحرك في تناغم، وأن الأداء لم يترك للاجتهاد الفردي، بل خضع لرؤية إخراجية صارمة جعلته لحنا متماسكا بلا شذوذ.
لا يمكن إغفال دور أشرف عبد الباقي في هذا العمل، بوصفه ممثلا يمتلك قدرة استثنائية ومتواصلة على التحول؛ يثبت عبد الباقي في كل ظهور فني ميلا واضحا إلى التجديد والتلون، إذ يقدم شخصية تختلف جذريا عن دوره في مسلسل قلبي ومفتاحه على سبيل المثال لا الحصر.
لكن اللافت فعلا هو ثقل الشخصيات الشابة داخل البنية الدرامية. طه دسوقي يقدم شخصية "جوهري" شابا ذكيا، محبطا، ساخرا، يعرف أن الطريق المسدود لا يفتح إلا بالعنف أو الجريمة. علي صبحي وميشيل ميلاد يكملان الثلاثي دون افتعال، ككائنات مسحوقة لا تملك خطة، وليس لديهم سوى الانسياق خلف جوهري.
هؤلاء الشباب يمثلون الوجه الآخر للفيلم: ليس فساد "الكبار" فقط، بل تقديم جيل هو نتاج تلك المنظومة الفاسدة، وليس لديهم حتى وهم الاختيار.
"السادة الأفاضل" ليس فيلما مريحا، وكلما أعدت مشاهدته صار أكثر إزعاجا. هو عمل طموح يضع نفسه في مسار مختلف. كريم الشناوي يخطو خطوة واضحة خارج منطقة الأمان، يجازف معلنا انطلاقه نحو البراح، مستهدفا جمهورا ذكيا لا يحتاج إلى شرح أو تلقين بالملعقة.
في النهاية، لا يقدم الفيلم خلاصا، ولا يعرض حلولا؛ هو يكتفي بوضع المرآة، الباردة بطبعها، بلا شفقة أو فلتر يجمل الواقع.
ومن لا يحتمل انعكاسه في تلك المرآة سيتهم الفيلم بالإساءة.
الفيلم ناجح في تقديم حقائق عارية، وتركنا وحدنا في مواجهتها.
اقرأ أيضا:
محمد صبحي: محنة مرضي أنا عارف أسبابها ... أعطيت وطني الانتماء ومنحني الاحتواء
كارمن سليمان ووليد سعد وتامر حسين وأمير طعيمة في عزاء والد الموزع أحمد ابراهيم
نوال الزغبي تستعرض رشاقتها بفستان أسود أنيق … استغنت عن هذه القطعة في التصميم الأصلي
خالد النبوي وهاني سلامة ومحمد هنيدي من بينهم … نجوم اكتشفهم يوسف شاهين وكانت أفلامه نقطة انطلاقهم
لا يفوتك: لقاء الخميسي تسامح عبد المنصف ... اللي جاي كله حب وشغف وسلام
حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz5