وسط سياق باتت فيه الدراما السائدة أسيرة الصخب، يطلّ مسلسل "لا ترد ولا تستبدل" كعمل يختار طريقًا آخر، يفرض حضوره بثقة عبر صدق التفاصيل واحترامه لعقل ومشاعر المشاهد معًا؛ إذ لا يلوّح برسائله ليُفهَم، بل ينساب بهدوء، كما تفعل الحياة نفسها حين تُروى بصدق.
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
تعود المخرجة مريم أبو عوف بمسلسل "لا ترد ولا تستبدل" بوصفه تجربة رومانسية متجددة، تواصل من خلالها ترسيخ ملامح مشروع فني جدير بالقراءة المتأنية. مشروع ينحاز إلى تفكيك الصيغ الناضجة للحب داخل مجتمع يتبدّل بإيقاع متسارع، ويصعب استيعاب مفرداته الجديدة مثلما يصعب تحمّل قسوته، لتثبت مريم من جديد حساسية عدستها وقدرتها على التقاط المشاعر الإنسانية في لحظاتها الأكثر طبيعة وتلقائية: التردد، العجز، الخوف، الرغبة، والبحث عن الاتساق الداخلي. فلا تقدّم للمشاهدين الرومانسية في صورة منفصلة عن الواقع، بل كإحدى الطرق التي تمكّننا من فهمه واستيعابه.
لغة التفاصيل
منذ حلقاته الأولى، يراهن "لا ترد ولا تستبدل" على فكرة عميقة ببساطتها: أن الرومانسية تُصنع بالتفاصيل الصغيرة التي نعيشها يوميًا، وبالتصرفات التي نقوم بها بتلقائية، لكنها تكشف الكثير عن تكويننا القيمي والعاطفي، وعن مشاعرنا. لذلك، لم يكن الحب في المسلسل مجرد تيمة أساسية لتسويق النوع الدرامي، معزولًا عن العمل أو عن الطبقة الاجتماعية أو عن التناقضات الداخلية للشخصيات، بل كان منسوجًا معها، وجزءًا من اختبارات الحياة، لا استثناءً منها.
تفاصيل في غاية الرقة والذكاء استطاعت ربط المشاهدين بالشخصيات، من خلال أسمائهم وأزيائهم، ووظائفهم وهواياتهم، وتجاربهم الإنسانية اليومية. إذ نجد أسماء الشخصيات (ريم، طه، بعوضة، مواهب، حنان، مكة...) تحمل دلالات خفيفة تعمل في الخلفية، وتُكمل البناء النفسي للشخصيات من دون شرح أو مباشرة، وكأنها طبقة سردية صامتة.
ريم (دينا الشربيني)، مرشدة سياحية، تأخذنا إلى أماكن غير مستهلكة، لتكشف كيف يمكن للجمال أن يكون حاضرًا ومهمَلًا في آن واحد. وفي المسار ذاته، تُدخلنا وحدات الغسيل الكلوي، حيث الألم صامت، والمعاناة متكررة، لكنها غير مرئية في السرد العام للحياة.
بعوضة (حسن مالك)، عامل الجراج، الذي يقدم استعادة ثقافة "الباتيناج" بما تحمله من حرية وانطلاق، وفي الوقت نفسه يطرح المسلسل، من خلال عرضها، تساؤلًا أعمق حول ما يحدث عند إحياء ثقافات اندثرت، أو استقبال ثقافات جديدة، من دون أن يتحوّل نزقها وعنفوانها إلى رعونة أو تمرّد سلبي يلتهم ذاته. رياضة "الباتيناج"، التي تتحوّل كثيرًا إلى أسلوب حياة، تحمل بين طياتها متناقضات عبّرت عن تناقضات شخصية بعوضة، التي تتأرجح بين السلبية المطلقة والبطولية المطلقة، واضعة إياه في منطقة رمادية، يمثّل بها جيلًا بأكمله يبحث عن ذاته وسط عالم سريع وقاسٍ.
قدّم "لا ترد ولا تستبدل" بسلاسة ومصداقية التنوّع الديني والطبقي للشخصيات بوصفه أمرًا طبيعيًا وعاديًا، بحيث تُعالج كل شخصية بصدق ضمن دورها الدرامي الطبيعي، لا بوصفها شخصية "مختلفة" مُقحمة على الدراما، جاءت فقط لتؤدي وظيفة أخلاقية أو تجميلية. إذ يظهر التنوع هنا بوصفه جزءًا من النسيج اليومي للحياة، من دون شعارات أو افتعال. كما يعيد المسلسل الاعتبار لفكرة أن الحب قادر على تجاوز فارق السن أو الطبقة الاجتماعية، من غير الوقوع في ثيمات درامية ساذجة.
كما تطرقت الأحداث إلى قضايا شائكة، مثل الاتجار بالأعضاء، ومعاناة اللاجئين السودانيين، وعالم الأطفال ضعاف السمع، من دون الانغماس في خطابات حقوقية مباشرة أو ضجيج دعائي مؤسساتي. جاءت هذه القضايا ضمن سرد متماسك وهادئ. همسًا بلا طنطنة، يترك للمشاهد مساحة للتأمل والتفاعل، ما جعلها أكثر صدقية وأعمق تأثيرًا.
يوظّف المسلسل فكرة "الصدفة" بحرص شديد؛ فلا يجعل منها حيلة درامية رخيصة كالعادة، بل جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة اليومية، حيث تكفي لحظة عابرة لينكشف ما كنا نظنه محميًا. هذه الفكرة، المألوفة والبسيطة في ظاهرها، تُستثمر دراميًا بذكاء؛ فهي لا تستدعي الدهشة، بل تكشف الهشاشة، لأن "الصدفة" احتمال دائم نعيشه جميعًا.
مزج "لا ترد ولا تستبدل" داخل أحداثه ألوانًا متباينة من الفنون، تتقاطع فيها الشعبيّة مع النخبويّة، من مشهد الفرح على إيقاعات موسيقى المهرجانات، إلى مشهد عرض باليه "روميو وجولييت". وقد أدّى كلا المشهدين الدور نفسه في منح المشاهد مساحات قصيرة للتأمّل بين تطوّر الأحداث، وتعميق كثافة اللحظات الرومانسية بقدرٍ من الرهافة والاتزان. ويأتي ذلك منسجمًا مع رؤية الموسيقار خالد الكمار، الذي يجيد ضبط إحساس المتلقّي عبر ثيمات موسيقية خافتة، قد لا تلتقطها الأذن للوهلة الأولى، لكنها تنساب إلى الوعي، وتُعمّق الالتحام بالسرد، ثم تنفذ إلى القلب لتعيد ضبط إيقاع المشاعر بدقّة بالغة.
لم تأتِ الملابس بوصفها عنصرًا جماليًا منفصلًا، بل قدمت مايا جويلي بتصميمها لملابس العمل لغة سردية موازية وقراءة دقيقة للشخصيات وخطوطها النفسية، وطبقتها الاجتماعية، وعلاقتها بذاتها وبالعالم (قمصان نادر السادة في لحظات التنصل من العطاء والمخططة في لحظات طلب الاستحواذ، عباءات مواهب وحنان، ملابس وإكسسوارات بعوضة وشريكة جرائمه نسمة)، ليبدو كل اختيار بصري وكأنه امتداد طبيعي للشخصية، لا قرارًا زخرفيًا مفروضًا من خارجها.
يفتح "لا ترد ولا تستبدل" بابًا لإعادة النظر في أحكام قطعية طالما لاحقت ظاهرة ورشات الكتابة بوصفها ممارسة تفتقر إلى العمق، إذ يقوم المسلسل على كتابة درامية محكمة صاغتها أنامل دينا نجم وسمر عبد الناصر، وهما من الأصوات الشابة التي تبلورت تجربتهما داخل هذه الورش. وفي مسار موازٍ، يعيد العمل اكتشاف دينا الشربيني، مقدّمًا إياها كممثلة واعية بأدواتها، استطاعت تفكيك شخصية ريم واستيعاب ثنائياتها المركّبة بين الجمال والألم. تلك الثنائية التي منحت الشخصية صدقها الإنساني، وأفسحت المجال لتفاعل عاطفي عميق مع المتلقيات، اللواتي قد يجدن في ريم مرآة لتناقضات مشاعرهن، حيث تتجاور القوة مع الرقة، والأمل مع المسؤولية، وحب الحياة مع الاعتراف بأثقالها.
الحب بوصفه فعل اتساق
إن شخصيتي ريم وطه لا تخرجان من الحكاية كعاشقين فقط، بل كإنسانين اختارا التوازن بديلًا عن الانكسار، والوضوح بديلًا عن الالتفاف. وبهذا المعنى، لا ينتصر "لا ترد ولا تستبدل" للحب بوصفه عاطفة فقط، بل كاختيار واعٍ، وانتصار للاتساق مع الذات والقيم، والقدرة على اتخاذ قرار متوازن في عالم يميل إلى الإفراط. لا يقدم المسلسل الرومانسية التي تحرض على الهروب من الواقع، بل التي تدعو إلى امتلاك القدرة على العيش داخله بكرامة وهدوء؛ رومانسية أن يحب الإنسان لا لأنه ضعيف، بل لأنه ناضج بما يكفي لتحمّل مسؤولية الحب.
بذلك، تعود مريم أبو عوف من جديد في مسلسل "لا ترد ولا تستبدل"، من دون أن تقدّم إجابات نهائية عن الحب، تمامًا كما لم تفعل في "وش وضهر" أو فيلم "بيبو وبشير"، لتؤكّد أن الحب ما زال ممكنًا من دون ضجيج، وجميلًا حين يكون صادقًا بلا تصنّع، وأن الفن، حين يحترم مشاعر جمهوره، قادر على أن يكون ملاذًا ومرآة ورفيقًا دافئًا في آنٍ واحد.
اقرأ أيضا:
صور- صبحي خليل يحتفل بخطبة ابنته على المخرج ثائر الصيرفي
ماجد الكدواني: مشتغلش في رمضان قبل كده وبخاف من المنافسة
مراد مكرم يعلن انتهاء عقده مع قناة cbc: أغلق صفحة مهمة في حياتي المهنية
لا يفوتك: للأطفال فوق الـ 20 سنة ... 3 أفلام أنيميشن لازم تشوفهم
حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz5