عائد إلى الدراما الحقيقية

تاريخ النشر: الأحد، 13 نوفمبر 2005 | آخر تحديث: الأحد، 13 نوفمبر 2005

مع كل هذا الخضم من الوجبة الدرامية الدسمة التي أفطرنا عليها وتسحرنا طوال شهر رمضان ، والتي اشتد الجدل حول تراجع مستواها بالمقارنة بالأعوام الماضية ، لم تهضم قريحتي منها جميعا إلا عملا واحدا لم أر في مثل تميزه منذ زمن طويل .. هو المسلسل السوري "عائد إلى حيفا" الذي أذيع على قناة الديرة الإماراتية طوال رمضان المنقضي ويعاد عرضه حاليا مرة أخرى بناء على طلب المشاهدين.

ورغم أن المسلسل من إنتاج العام الماضي وأذيع حصريا على قناة المنار اللبنانية آنذاك ، فإنه تميز عن كل مسلسلات العام الحالي في معظم نواحي العمل سواء الدراما أو الموسيقى التصويرية أو الديكور ، وربما لو أذيع على قناة أكثر شعبية بالنسبة للمصريين لكان اكتسح جميع الاستفتاءات ، وهو أحد أبرز الأعمال التي تناولت قيام الدولة الإسرائيلية والمآسي التي تعرض لها الفلسطينيون حتى تحولوا إلى لاجئين بعد أن كانوا مواطنين.

ومسلسل "عائد إلى حيفا" مأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني وأعدها للدراما التليفزيونية غسان نزال ، وتحكي قصة الأستاذ سعيد المدرس وزوجته صفية الذين يضطران لترك رضيعهما خلدون في حيفا ويهاجران منها مع احتلال القوات الإسرائيلية للمدينة عام 1948 ، ورغم رحلة العذاب التي يمران بها من بلد إلى آخر هربا من نيران الاحتلال فإنهما لا يتنازلان عن محاولاتهم العودة واستعادة ابنهما الوحيد.

ومع هذا الخط الدرامي الرئيسي يسير خط متوازي معه بقصة حب بين ليلى شقيقة صفية وقاسم المجاهد الفلسطيني صديق الأستاذ سعيد والذي يرتبط بالخط الرئيسي بمحاولاته لاستعادة الطفل الرضيع ، بالإضافة إلى بعض الخطوط الدرامية الثانية أبرزها الخط الدرامي لأبو مازن الشيخ العجوز الذي ينزح مع النازحين دون أن يعرف مصير أسرته وابنه الملقى في الحجز الإنجليزي ، وإفرت وميريام اليهوديان اللذان يحصلان على خلدون من الوكالة اليهودية.

المسلسل كما ذكرت سالفا جاء متميزا في معظم أركانه ، فمن الناحية الدرامية جاء البناء الدرامي متماسكا ، ويرجع هذا بالطبع لاعتماد المخرج باسل الخطيب على الأحداث الحقيقية في تلك الحقبة ، وبالطبع فإن الفضل يعود في ذلك للرواية الأصلية التي جاءت متماسكة دراميا ومتميزة بالحوار القوي والبناء الدرامي المتدرج لشخصياتها مع مرور الأحداث ، ولذلك جاءت أفعالهم وردودها متوائمة مع شخصياتهم ومناسبة لها.

كما أن اختلاف شخصيات الرواية أثرى المسلسل كثيرا وساعد على تميزه ، فالأستاذ سعيد رجل متزن عاقل يفهم ما يدور حوله من أمور وإن كان يعجز عن حل أزمته ، أما صفية فهي السيدة التي تحمل مشاعر أمومة قوية وشعور بالذنب نحو ابنها لم يمحى طوال المسلسل ، رغم أنه أرغمت على تركه ، أما أبو مازن فهو الشيخ المسن الذي لم يعد بيديه فعل أي شيء لكنه متمسك بأرض فلسطين ، حتى أنه عندما علم من ابنته أنه على آخر شبر منها قبل أن ينتقل إلى الأردن سقط على الأرض دون حراك ، وعلى هذا المنوال جاءت باقي شخصيات المسلسل.

ومع التركيب الدرامي القوي للشخصيات ، لم يكن من الصعب أن يتألق الممثلون ويقدمون أفضل ما عندهم ، وخاصة المتميزة نورمان أسعد في دور صفية التي تعد أفضل ممثلي العمل بأدائها التلقائي الخلاب والذي يجعلك مقتنعا تماما بأنها الأم الثكلى ، ومن بعدها يأتي المخضرم سلوم حداد في دور الأستاذ سعيد ، ثم النجم السوري الكبير تيسير إدريس في دور أبو مازن ، ثم سامر المصري في دور قاسم ومعه تولين البكري في دور ليلى ، وشادي زيدان في دور مازن ، وعلى درجات قريبة منهم جاء باقي أفراد العمل.

أما بالنسبة للموسيقى التصويرية فقد جاءت على أروع ما يكون ، في تتر البداية وتتر النهاية وحتى تيمة الحلقات التي كانت أغلبها من أغنية "عود اللوز الأخضر" من تراث المقاومة الشعبي المعاصر ، وظهرت براعة المخرج في استخدامها في مشهدين تحديدا ، الأول في الحلقة الخامسة عندما خرج الأستاذ سعيد وسط الأجواء المتوترة واقترب الهجوم الإسرائيلي ليقطف عودا من اللوز الأخضر ويتفكر فيه في رمزية واضحة ، والثاني في الحلقة الأخيرة بالمشهد الذي كان فيه الأستاذ سعيد وصفية يركبان سيارتهما عائدين إلى حيفا ويتغنيان بكلمات الأغنية كلما اقتربا من مدينتهما الأم.

وبالنسبة للديكور ، فقد نجح المخرج في إقناعنا بأن المسلسل تم تصويره في فلسطين بين أحياء حيفا وغيرها من المدن التي زارها أبطال المسلسل ، وليس في سوريا حيث تم التصوير ، كما أن براعته في تغيير أباسط الأمور من أجل تغيير كنه الأشياء أضاف للمسلسل الكثير ، مثل استبدال زهرية الطفل الفلسطيني الشهيد في بيت الأستاذ سعيد بالشمعدان الإسرائيلي الشهير ليدل على تحول البيت من بيت لعرب فلسطينيين إلى يهود إسرائيليين.

وبالنظر إلى الملابس والإكسسوارات ، فجاءت متوافقة تماما مع تلك الفترة وخاصة السيارات والأسلحة والدبابات التي تم الاستعانة بموديلات حقيقية منها تعود لتلك الفترة ، بالإضافة إلى الملابس العسكرية الخاصة بالإنجليز والجيش الإسرائيلي.

أما التصوير فقد تميز بحق في معظم المشاهد الرئيسية ، وجاءت مشاهد قصف مخيمات اللاجئين واقعية ، ومشاهد مهاجمة الإسرائيليين للنازحين الفلسطينيين وقتلهم في الطرقات الجانبية من أجل دفعهم نحو الميناء على قدر كبير من البراعة ، بالإضافة إلى العديد من زوايا التصوير المتقنة التي أوضحت المعاني التي يريد باسل الخطيب إيصالها للمشاهدين دون استخدام الحوار.

وبالطبع فإن بعد كل هذا ، جاء الإخراج متميزا وعلى مستوى العمل ، وظهر اجتهاد الخطيب في محاولته الخروج بالعمل في أفضل صورة ممكنة ، وإذا كان لابد من إيجاد نقاط ضعف للعمل ، فيمكننا أن نقول باستحياء أن مشهد السفن الإسرائيلية كان واضحا فيه شغل "الجرافيك" ، كما يعاب على المخرج إطالته للمشاهد الصامتة التي تعبر عن مشاعر أبطال المسلسل ، وبالطبع فإن هذه الأخطاء البسيطة لا تقلل أبدا من قيمة العمل الكبيرة.

ويكفي أن أقول إن الناي المستخدم في موسيقى "عود اللوز الأخضر" يدوي في أذني وأنا أكتب المقال مختلطا بصياح الأستاذ سعيد وبكاء صفية ، فكان هذا العمل أكبر دليل على أن الدراما السورية تفوقت وبمراحل على نظيرتها المصرية ، وأكاد أجزم أننا لا نستطيع القيام بعمل مماثل في الوقت الحالي ومسلسل العميل "1001" أكبر برهان على ذلك.

عموما لمن قرأ المقال حتى نهايته - وهو طويل بالفعل - فإن هناك مكافأة بانتظاره ، وهي أن المسلسل يذاع يوميا بداية من أول أيام عيد الفطر على قناة الديرة الفضائية في تمام الساعة السابعة مساء بتوقيت القاهرة .. مشاهدة سعيدة.