الفيلم الأعذب في مهرجان البحر الأحمر: "بلفاست".. شذرات الذاكرة من عيني طفل

تاريخ النشر: الأربعاء، 22 ديسمبر، 2021 | آخر تحديث: الأربعاء، 22 ديسمبر، 2021
من فيلم بلفاست

خلال دورته الأولى، عرض مهرجان البحر الأحمر مجموعة متميزة من أهم أفلام العام، وبالرغم من أن أغلب الأنظار بطبيعة الحال قد توجهت صوب الأفلام العربية الجديدة، بحكم حضور صناعها واستضافة المهرجان لعروضها الأولى، فإن البرنامج تضمن كذلك عددًا من الأعمال التي ستحضر بقوة في النقاشات السينمائية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وتحديدًا خلال موسم الجوائز وصولًا للأوسكار، وعلى رأس هذه الأفلام يأتي "بلفاست Belfast"، الفيلم الجديد للفنان متعدد المواهب كينيث براناه.

وعندما نصف براناه بتعدد المواهب فلا توجد أي شبهة مبالغة في وصف الرجل الذي ترشح للأوسكار خمس مرات في خمس فئات مختلفة: أحسن إخراج وأحسن ممثل رئيسي عن فيلمه "هنري الخامس Henry V" عام 1989، أحسن فيلم قصير عن "أغنية البجعة Swan Song" عام 1992، أحسن سيناريو مقتبس عن "هاملت Hamlet" عام 1996، وأحسن ممثل مساعد عن "أسبوعي مع مارلين My Week with Marilyn" عام 2012. تنوع يثبت غزارة الموهبة واستمراريتها، والتي تبلغ إحدى ذُراها في "بلفاست" الذي قد لا يكون أكثر أفلام صانعه جماهيرية، لكنه بالتأكيد أكثرها شخصية وإخلاصًا للذاكرة.

الماضي ووجهة النظر

يعود براناه، الذي كتب وأنتج وأخرج الفيلم، إلى طفولته في مدينة بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية، وبالتحديد في نهاية الستينيات وقت اندلاع الاقتتال الأهلي بين البروتستانت والكاثوليك اللذين يمثلان العنصرين الدينيين المهيمنين على البلد التابع للتاج البريطاني. التبعية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من أسباب الاقتتال بين راغب في الاستقلال وملتزم بالانتماء للملكة.

من فيلم "بلفاست"

غير أن الفيلم لا ينخرط على الإطلاق في سرد التاريخ أو رصد أسباب النزاع بين الطوائف، مخلصًا لفكرة سرد الأحداث من وجهة نظر طفل في التاسعة من عمره يدعي بادي، يمثل المعادل الدرامي للمخرج الذي كان في العمر نفسه عندما عاش هذه الوقائع، التي حولت حياته بين عشية وضحاها من طفولة اعتيادية تعترضها المشكلات الطبيعية في الأسرة والمدرسة، إلى طفولة محكومة بما يحدث خارج عتبات المنزل، مضطرة للتعامل مع حدوث مصادمات مسلحة يجد الجميع أنفسهم متورطين فيها، وطارحة سؤال أصعب داخل الأسرة: البقاء في مواجهة الفرار سعيًا للنجاة.

يجيد كينيث براناه وهو الممثل القدير اختيار فريق ممثليه بعناية مدهشة، وعلى رأسهم الطفل جود هيل الذي يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى مجسدًا شخصية بادي، بعينيه الواسعتين وذكائه البريء ومحاولاته المستمرة لفهم ما يحدث حوله والتعامل معه. يتقن المخرج توجيه بطله الطفل أن يكون طفلًا بحق، صحيح إنه يدخل مواقفًا تفوق عمره بحكم الضرورة، لكنه يظل طفلًا ذا خبرات أوسع، فكل ما يحدث لم يفقده بكارة استكشاف الحياة، وفي ذلك الاختيار تحية موفقة يقدمها براناه ليس فقط لطفولته وأسرته، بل لكل من اضطر لخوض تجارب مؤلمة مماثلة في لحظة مبكرة من حياته.

من دفتر اليوميات

بالأبيض والأسود، وبعد مقدمة ملونة لبلفاست العصر الحالي، يقدم المخرج صورة درامية شيقة للحياة في المدينة، وبالتحديد في حي على أطرافها ذي أغلبية بروتستانتية مع بعض العائلات الكاثوليكية. المزيج المعتاد للمجتمع المتعدد الذي تتعايش مكوناته بصورة عضوية طبيعية حتى تأتي لحظة الانفجار، ليجد كل أفراده أنفسهم مضطرين لأخذ موقف، فالأب عليه أن يتطوع للقتال أو يؤدي التزامًا ماليًا أو يوافق على اعتباره ضمن الأعداء، والابن عليه أن يحل أحجيات فلسفية من نوعية: إذا ما أوقفتك جماعة من المسلحين وسألوك عن ديانتك، فكيف تعرف الإجابة السليمة التي لن تودي بك إلى حتفك؟ تساؤل وحوار طريف وموجع يعيد لذاكرتنا العربية ذكريات لبنان الكارثية مع القتل على الهوية.

بلا ذروة درامية بالمعنى الكلاسيكي، وبمسار أشبه بخربشات في دفاتر الذاكرة، يرسم براناه لوحة متعددة الأوجه للحياة من عينيه الطفلة. المشكلات المالية للأسرة وأزمات الأب مع الضرائب، الشد والجذب خفيف الظل بين الجد والجدة، مشاعره الطفولية ناحية زميلة يجبر نفسه على التفوق فقط كي يجلس جوارها، وتورطه مع صديقة أخرى في سرقات صغيرة يمنحها عقله البريء بعدًا نضاليًا، وبالطبع المراقبة الصامتة، عن كثب لكن دون تدخل، لخلاف الوالدين حول البقاء أو الهجرة. متابعة تكشف مأزق الحرب الكامل التي يكون فيها كل البشر مثل بادي: يراقبون نقاشًا محتدمًا سيحدد مصائرهم، دون أن يمتلكوا حق إبداء الرأي في هذا المصير.

من فيلم "بلفاست"

لذلك فإن محصلة الفيلم بعد مشاهدته ستكون في الأغلب متماشية مع مدخله السردي: محصلة مليئة بالتفاصيل الصغيرة والمواقف المتنوعة المشبعة بالمشاعر، وكأن المخرج قد تمكن من اصطحابنا في رحلة لاختبار الحياة في بلفاست نهاية الستينيات، مؤكدًا أن الحياة تظل حياةً بغض النظر عن الأوضاع السياسية، تظل محصلة اجتماع ملايين اللحظات التي لا يمتلك أغلبها قيمة بشكل مجرد، لكن تتاليها وارتباطها وما تحمله من مشاعر هو ما يمنحها – أي الحياة – قيمة وأثرًا وبقاء في الذاكرة.

"بلفاست" أحد أفضل اختيارات مهرجان البحر الأحمر. فيلم رقيق لفنان كبير، مخرج وممثل منغمس كليًا في صناعة السينما الهوليوودية الضخمة، لكنه لا يزال قادرًا على امتلاك مذاق فني شخصي يخاطب المشاعر والعقول معًا. فيلم سيكون له بالتأكيد حظوظ كبيرة في موسم الجوائز السنوي، لا سيما مع هوس هوليوود بالاحتفاء بالتجارب التي يتسلل فيها مبدع قليلًا خارج أسوار الصناعة كي ينجز فيلمًا ويعود.


لا يفوتك: هايدي موسى لـ "في الفن": شعرت بالفخر في الكباش.. ونبيل الحلفاوي دعمني وهذا سر رشاقتي


اقرأ أيضا:

"فستان أخضر"..كيف ظهرت دلال عبد العزيز في رؤيا رشوان توفيق؟

رشوان توفيق وبطولة ضائعة أمام فاتن حمامة..ما علاقة صالح سليم؟

أدهم نابلسي يكشف مصير أغانيه بعد اعتزاله

#شرطة_الموضة: أيتن عامر بفستان يظهر رشاقتها في أحدث إطلالاتها


حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)

جوجل بلاي| https://bit.ly/3c7eHNk

آب ستور| https://apple.co/3cc0hvm

هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3wSqoRC