كل ما تريد معرفته عن The Morning Show

تاريخ النشر: الأحد، 5 يناير، 2020 | آخر تحديث: الأحد، 5 يناير، 2020
The Morning Show

نقلا عن موقع بي بي سي عربية

كملايين غيري، أستسلم من حين لآخر لنزوة استهلاكية ما، أو هذا على الأقل ما أقنع نفسي به عندما تنتابني حمّى الشراء. ولا بأس الآن من الاعتراف بإحدى تلك النزوات: لقد فعلتُها واشتريت آيباداً، ومعه جاء اشتراك مجاني لمدة عام في تلفزيون آبل تي ڤي بلاس الذي يسعى لزحزحة نتفليكس من عرش مملكة البث التلفزيوني عبر الانترنت، وهي مملكة إن تكاتف فرسانها (ديزني بلاس مثلاً، وأمازون، ورئيس الأركان نتفليكس ب ١٦٠ مليون مستخدم) قد تطيح بالتلفزيون التقليدي تماما.. في الغرب على الأقل.

رأس الحربة التي نزلت بها آبل الميدان هي درة التاج: مسلسل The Morning Show الذي انتهى مؤخراً عرض موسمه الأول والمؤلف من عشر حلقات. وفي هذا المقال أرمي لتقديم عرض للمسلسل أود أن أستهلّه بالتذكير بقصيدة للقس الألماني مارتن نيمولر في ١٩٤٦عندما كتب منتقداً سكوت العالم عن الهولوكوست:

"في البدء استهدفوا الاشتراكيين فالتزمتُ الصمت.. لستُ اشتراكياً!
ثم استهدفوا اليهود والتزمتُ الصمت.. لستُ يهودياً!
ثم جاءوا من أجلي..
ولم يكن قد بقي من يدافع عني!"

قفزةٌ الآن إلى ٢٠١٩.. وتحديداً لمشهد يهاجم فيه "ميتش كيسلر" (المذيع الأمريكي الشهير في المسلسل) زميله المنتج التلفزيوني لأن ذلك الأخير أحجم عن مناصرته في وجه اتهامات لكيسلر بسوء السلوك الجنسي. ما يقوله كيسلر مستَلهم بكل وضوح من القصيدة الآنفة الذكر:

" في البدء استهدفوا المغتصبين والتزمتُ الصمت.. لستُ بمغتصب، ثم استهدفوا الرجال ذوي النفوذ فالتزمتَ أنت الصمت.. لأنك لستَ ذا نفوذ. والسؤال، من سيبقى ليدافع عنك عندما يستهدفون الأناس العاديين؟"

في الحلقات الأُوَل من المسلسل يكاد المشاهد لا يصدق عينيه وهو يتابع ملف "التحرش الجنسي في صناعة الإعلام" كما يتناوله هذا العمل: أي من منظور الجاني. يعرض المسلسل بإسهاب لمنظور الرجل الذي لا يرى - حقاً لا يرى - أنه ارتكب أي خطأ على الإطلاق.

وقد جاء اختيار "الرجل" بعناية: إنه ستيڤ كاريل الذي يثبت في تمثيله في هذا المسلسل ما يعرفه كثيرون مسبقاً: أن الممثل الكوميدي قدير بما يكفي لتمثيل الأدوار التراجيدية رغم أن العكس ليس بالضرورة صحيحاً. يلعب كاريل دور المذيع ميتش كيسلر، وهو رجل ساحر، ودود، كاريزمي. يصف ناقدٌ هذه الشخصية بال Teddy Bear أو "الدبدوب" وناقدة أخرى بالعمّ المفضل لدى الأمريكيين. هو مذيع تحبه المشاهِدات من الأطلنطي وحتى الباسيفيكي، تثقن فيه ولا تريْن فيه تهديداً، ويستحيل أن تتخيلنه متحرِّشاً.

لذا فعندما يحاجج ميتش كيسلر بأنه ليس مغتصباً لأن كل علاقاته الجنسية تمت بالتراضي قد تجد نفسك ميّالاً لقبول هذا الكلام، قريباً من التعاطف معه. لكنك توقظ نفسك قسراً من تأثير تمثيل ستيڤ كاريل الشبيه بالتنويم المغناطيسي ثم تتحسس مسدسك الأخلاقي وتتساءل: ما الهدف من هذا المسلسل تحديداً؟ هل يُعقل أنه يحاول استدرار تعاطفنا مع المتحرشين؟

لكن النصف الثاني من حلقات المسلسل يتدارك الأمر.

الشخصية النسائية الأولى في المسلسل هي المذيعة آليكس ليڤي، "الزوجة التلفزيونية" لميتش كيسلر وهو التعبير الإعلامي الأمريكي المستخدم لوصف ثنائيات التقديم التلفزيوني بين مذيع ومذيعة. تقوم بدورها جنيفر آنيستون التي اشتهرت في شخصية ريتشل في مسلسل Friends. يكاد النقاد يجمعون أن هذا المسلسل الجديد أظهر مستويات من الموهبة والمهارة لم يكن أحد ليتوقعها في آنيستون.

وثمة أبعاد كثيرة لشخصية آليكس ليڤي: إعلامية يأفل نجمها، ويكبر سنها، ويتراجع نفوذها في الشبكة التي تعمل بها. لكن البعد الأهم والأوثق ارتباطاً بفكرة المسلسل الأساسية يتركز في سؤال واحد: هل كانت آليكس تعلم بما يفعله "زوجها التلفزيوني"؟ هل كانت غافلة أم متغافلة؟ أتكون قد غضت الطرف متعمدة حفاظاً على مكانها؟

إنه سؤال عن المسؤلية الأخلاقية لإعلامية كبيرة، لا مجرد صحفية عادية. لو كان بمقدورها وقف تصرفات شريكها المشينة ولم تفعل لكانت "شريكته" في الجريمة أيضاً وليس في البرنامج فحسب. وهو سؤال يدور في أذهان كثير من الشخصيات في المسلسل، وقطعاً في أذهان المشاهدين. لكن من تتجرأ فتطرح هذا السؤال الملغّم هي الشخصية النسائية الثانية، أو لنقل "الأولى مكرر" وهي برادلي جاكسون الصحفية غير التقليدية التي تؤدي دورها ريز ويذرسبون (اشتهرت بالذات في فيلم Legally Blonde كما ظهرت - وياللمفارقة - كشقيقة ريتشل في Friends).

بالنسبة لبرادلي جاكسون الأمور واضحة، أبيض وأسود. التحرش مرفوض وكذا استغلال النفوذ. نقطة. أما بالنسبة لآليكس فهناك بين الأبيض والأسود منطقة رمادية. هناك "نادٍ للصبيان" والكل يعرف. من أعلى رأس في الشبكة إلى أصغر عامل فيها، الكل يعلم أن ميتش كيسلر يفعل ما يفعل، والكل يغض الطرف. فالرجل نجم كبير، شهير، غني، محبوب. وفي مشهد أساسي تنفجر آليكس كالقنبلة في وجه برادلي قائلة إن هذا كله عادي، مقبول، بديهي.

الخبر السار للمتعاطفين مع شخصية آليكس ليڤي من أمثالي (لن أنكرها) هو أنها تغير موقفها لاحقاً. لكن المسلسل يكاد ينتهي قبل أن تفعل. لن أسرد التفاصيل لئلا أفسد المتابعة لمن يعتزم، لكنني سأطرح سؤالاً عن مدى سلاسة هذا التحول وهل أتى مقنعاً أم مُقحَماً.

الواقع أن مدى مصداقية المنعطف الذي تأخذه شخصية آليكس ليڤي ليس المشكلة الوحيدة. آبل تنزل الميدان بعمل مبهر، لا جدال. لكنه عمل لا يخلو من مشكلات. لعل من أسباب ذلك أن نجمتيْ العمل، جنيفر آنيستون وريز ويذرسبون، كلاهما منتج تنفيذي له. ورغم انسجامهما كما نرى في المقابلات الصحفية التي جمعتهما للترويج للمسلسل إلا أنه يصعب تصور أن فريق العمل لم يجد مشقة كي يضمن توازن حجم الدورين، ونسبة المَشاهِد، وسير الحبكة، بحيث تكمّل الشخصيتان بعضهما البعض ولا تجور أيهما على الأخرى.

ثم إن المشاكل اكتنفت من البداية صناعة هذا العمل الضخم (نتحدث عن ١٥ مليون دولار كتكلفة إنتاجية للحلقة الواحدة وعن أجرٍ لآنيستون هو نفس أجر ويذرسبون بلغ ٢ مليون دولار للحلقة). ويكفي على سبيل الاستدلال هنا القول إن العقل المدبر، صاحب فكرة The Morning Show ألا وهو جاي كارسون فصلته آبل من المسلسل بسبب ما سُمّي حينها "اختلافات إبداعية". ثم لجأ كارسون للتحكيم وحاز الحق في أن يظل العمل منسوباً إليه رغم انقطاع علاقته به باستخدام تعبير created by - أبدعه جاي كارسون.

وقد يكون لكل هذا أثر على تلقي المسلسل لدى النقاد والجمهور. ومن ذلك أنه في بعض مشاهده يلجأ للمباشرة الحوارية، والمبالغة، ويبدو استعراضياً أكثر منه دراما قوية رصينة تدخل في لب الموضوع بلا مواربة.

لكن ينبغي القول إن المسلسل يحوز نسباً تتراوح في الستينيات في المائة في أغلب المنتديات وهي نسبة ليست سيئة على الإطلاق. هناك مشاهد تهدي المتلقي متعة حقيقية، بالذات تلك التي يظهر فيها الثلاثة الكبار.


لعل العيب الأكبر - إن صح لي استخدام هذه المفردة عند الحديث عن عمل استمتعتُ به شخصياً للغاية - يكمن في أنه لم يخرج بالثقل الذي أرادته له آبل. وأستعير هنا رأياً يلخص تلك الفكرة للناقد ريتشارد ريبر والذي كتب مقالاً إيجابياً للغاية في مجمله، لكنه ضمّنه ما يلي: "المسلسل لا يتحلى بالوقار السينمائي لأعمال مثل The Loudest Voice ولا بشاعرية مسلسل مثل The Newsroom".

تتبقى الإشارة إلى جزئية هامة للغاية، قد تغفر كل ما يمكن أن يكون صناع المسلسل قد اقترفوه من خطايا، وهي الجزئية المتعلقة بالتسلسل الزمني لصناعة هذا العمل.

الإعلان الرسمي عن هذا المسلسل صدر في ٨ نوفمبر ٢٠١٧، ما يعني أنه قبل ذلك التاريخ بوقت طويل كان العمل الفعلي قد بدأ: الكتابة والميزانية واختيار الممثلين. فإذا علمنا أن اتهام "هارڤي واينتسين" المخرج الهوليوودي الشهير بالتحرش الجنسي حدث في أكتوبر ٢٠١٧، وأن حملة #MeToo انطلقت في نفس ذلك الشهر، وأن طرد المذيع الأبرز في شبكة NBC "مات لوير" على خلفية اتهامات بالتحرش الجتسي وقع في نوفمبر ٢٠١٧، سندرك أن العمل في The Morning Show بدأ قبيل/وبالتزامن مع أحداث جسام هي لب ما يعالجه المسلسل.

وبالتالي كان على القائمين على المسلسل أن يحتووا كل تلك الأحداث وأن يلمّحوا بالإشارة إليها بل ويضمّنوها في الحبكة والحوار، وهي مهمة عسيرة جداً لو عرفنا أن أحداثاً فات عليها سنوات يُحجم المؤلفون عن تناولها درامياً استشعاراً بأن الوقت لا يزال مبكراً، فلك أن تتخيل مشقة الحديث عن كرة ثلج بضخامة #MeToo ليس بعد أن ترتطم وتتوقف عن التدحرج، بل بينما هي تتشكل وتكبر وتتسارع أمام عينيك.

هذا المسلسل حتى اللحظة هو درة التاج لتلفزيون آبل بلاس، ومن هنا حتى تنقضي مدة الاشتراك المجاني التي تيسّرت لي من حيث لا أدري ولا أحتسب سأقرر ما إذا كنت سأمدد الاشتراك أم لا بعد ذلك. غالباً سأفعل، في ضوء التكلفة الشهرية البخسة بالمقارنة بنتفليكس، وبالذات لو جاءت باقي الأعمال بمستوى The Morning Show.