فيلم System Crasher: الأحمر يليق بك

تاريخ النشر: الخميس، 14 نوفمبر، 2019 | آخر تحديث:
System Crasher

السينما فن مذهل، فهي تجمع العديد من الفنون بداخلها، كما أنها تمتلك الكثير من الأدوات الفنية المركبة والمتداخلة والتي تمنح المتلقى خبرة شعورية وجمالية لا يضاهيها فيها غيرها من الفنون.

الفيلم الألماني "محطمة النظام System Crasher" الفائز بجائزة الدب الفضي من مهرجان برلين السينمائي الدولي هو أحد أكثر أفلام 2019 المثيرة للجدل والتي شهدت انقساما بين النقاد والمتخصصين في تقييمهم لمدى جودته واستحقاقه لمثل هذه الجائزة المرموقة.

يدور الفيلم حول طفلة في التاسعة من عمرها "بيني" تتسبب في المشاكل أينما حلت إلى الحد الذي أجبر أمها على عزلها عن أخواتها الأصغر سنا خوفا عليهم. لا تلبث بيني أن تنتقل إلى إحدى دور رعاية الطفل حتى تتسبب في أزمة جديدة فيتم نقلها لمركز آخر لوقاية الأطفال من شرها، ومع تراكم التقارير السلبية بشأن بيني ترفض جميع دور الرعاية مجرد استقبالها، وهو ما يضع الجميع في معضلة شائكة، فالطفلة أصغر من أن يتم إيداعها في مكان مشدد الرقابة، وفي الوقت نفسه لا يأمن أحد رعايتها بالقرب من أطفال من نفس سنها، ومن ثم يفشل النظام الحكومي أمام هذه الحالة الشاذة فيما يطلق عليه "محطمة النظام".


على الرغم من التباين الشديد في الآراء إزاء هذا الفيلم، إلا أننا نجد فيه الكثير من الجوانب الفنية والجمالية التي تعمق من خبرة المشاهدة فيما يتصل بشكل وثيق بجذور هذا الفن المذهل.

حلقات مفرغة أبدية

في المشهد الأول من الفيلم نرى بيني في حالة من الهدوء تجرى عدد من الفحوص الطبية بإحدى المستشفيات، وفي المشهد التالي مباشرة نراها في شجار مع عدد من الأطفال دون أن تبين سبب هذا الشجار أو مقدماته، وحيث شريط الصوت يسيطر عليه بالكامل صراخ بيني المتواصل، هذا الصراخ الذي لا يكاد يختفي حتى يعود مرة أخرى. وهكذا دواليك ينتقل الفيلم من الهدوء إلى الصراخ، بشكل متكرر حتى نهايته.

تنتقل بيني من دار للرعاية إلى أخرى، وتدخل في مشاجرات متتالية، ترفض الذهاب إلى المدرسة، وترفض الانصياع إلى أي من المربين والمسئولين عن دور الرعاية. حلقات طويلة من الكر والفر، تمرست فيها بيني على الهرب بهدف وحيد هو العودة إلى أمها.

كانت أبرز الانتقادات الموجهة إلى الفيلم تتمحور حول هذه الحلقات السرمدية من الكر والفر، بحيث يبدو الفيلم بلا وجهة حقيقية، حتى أنه ينتهى بمحاولة جديدة للهروب، وهي النهاية التي عمقت من هذه الانتقادات. غير أننا نجد أن هذه الحلقات المتكررة تقوم بوظيفة مهمة في ترسيخ تجربة المشاهدة، فالهدف هنا هو أن يحل المشاهد محل الشخصيات المحيطة بمحطمة النظام ويتابع محاولاتهم المستمرة لفهمها والسيطرة عليها، والمرور بكل مراحل بناء الثقة وتجدد الأمل وتجدد الخيبة مع كل حلقة جديدة من هذه الحلقات.

على مستوى الدراما، وعلى خلاف ما قد يوحي به موضوع الفيلم، فنحن أمام دراما الشخصية في المقام الأول، وليس دراما نفسية، فالمعالجة الذكية للغاية التي كتبتها مخرجة الفيلم ومؤلفته نورا فينجشيدت Nora Fingscheidt لا تتعامل مع الشخصية الرئيسية على أنها حالة نفسية، ولا تنفق الكثير من الوقت في تبيان الجذور النفسية الأولى لأزمتها، فنحن نعرف أن بيني تعرضت لصدمة شديدة في فترة مبكرة من طفولتها تسببت في أنها طورت سلوك وقائي للغاية تجاه أي محاولة للمس وجهها، ولكننا لا نعرف ما هي تفاصيل هذه الأزمة ولا نعرف السر وراء رفضها للمس وجهها.

في المقابل تركز المعالجة الدرامية على حالة الغضب الدائمة التي تعتري بيني، والتي تمدها بكم هائل من الطاقة التي تتحول إلى عنف شديد كرد فعل على أي محاولة لاقتحامها بأي شكل من الأشكال، وهنا تظهر المفارقة في أن بيني ليست طفلة عدوانية ولكن شعورها الدائم بالمحاصرة من كل من حولها، ومنعها عن التواصل مع أمها في مثل هذه المرحلة المبكرة من طفولتها، يغذي هذا الغضب بشكل مستمر، كما أن سلوك أقرانها من الأطفال الذي يظهر في صورة عدوانية، ولو بشكل لفظي أو معنوي، يدفعها إلى الرد بشكل عنيف، وهو ما يعمق بالتبعية من خطورة تواجدها في محيط هؤلاء الأطفال فتكتمل بذلك الحلقة المفرغة التي تدور فيها حياتها.

أحد أبرز الشخصيات المحيطة ببيني هو "ميشا" الذي يعمل في هيئة رعاية الأطفال، والمسئول عن مرافقة بيني إلى المدرسة. يقترح ميشا أن يصطحب بيني إلى مقصورته الخاصة بالغابة في إجازة هادئة لمدة ثلاث أسابيع على أمل أن تجد شيئا من السلام النفسي في هدوء الطبيعة وبعيدا عن صخب المدينة، وهو الأمل الذي يمثل النصف الأول من الحلقة. ينجح ميشا في التواصل مع بيني وبناء علاقة صداقة حميمة معها، ولكن بمجرد عودتهم من الغابة إلى مركز الرعاية يثور غضب بيني مرة أخرى ليكتمل النصف الثاني من الحلقة بخيبة الأمل، ثم نعاود الكرة من جديد.

منذ أول ظهور لشخصية ميشا نراه يتحدث إلى أحدهم عبر الهاتف في غضب عارم. هذه الصورة الذهنية تجعله أقرب إلى بيني التي تراقبه من خلف النافذة، فهو الوحيد من بين كل المربين الذي يعبر عن غضبه بشكل واضح، ولا يظهر هذا الهدوء الزائف الذي تراه في وجوه كل من حولها. أثناء رحلة الغابة تكتشف بيني أثرا لجرح قديم يعلو رأس ميشا، خبرة قديمة تركت أثرا لن يزول. تسأله بيني عن رياضته المفضلة، فيخبرها أنه يمارس الملاكمة. اختيار دقيقة لرياضة عنيفة تمكن لاعبها من إطلاق شحنات الغضب وممارسة العنف في إطار شرعي. مرة أخرى يؤكد النص السينمائي أن حالة بيني ليست حالة نفسية بالأساس وإنما حالة إنسانية.

اللون واستراتيجية السرد

إذا ما طالعنا الملصق الرسمي لفيلم "محطمة النظام" سنجد أنه يحمل صورة بيني في ملابسها الوردية المميزة، واللون الوردي يسيطر على الخلفية، وفي جانب من البوستر نرى صورة أصغر لوجه بيني وهي تصرخ ملطخا باللون الأحمر، وباللون الأحمر أيضا كتب اسم الفيلم كما لو كان مكتوبا بالدماء.

اللون الوردي هو أحد المكونات الرئيسية لصورة الفيلم، نراه مصاحبا لبيني طوال الوقت، سواء في ملابسها التي تجمع بين اللون الوردي واللون السماوي بتنويعات مختلفة، نراه أيضا في متعلقاتها البسيطة مثل حقيبة المدرسة. ولكن لماذا هذا اللون بالتحديد؟

الدلالات اللونية متعارف عليها ومتأصلة لدى المشاهد من خبراته السابقة، إذ أنه يميل بشكل لا شعوري نحو ربط هذا اللون أو ذاك بدلالاته المتكررة، ولهذا فإن الألوان تكتسب أهمية خاصة على مستوى السرد. الدلالة الرئيسية للون الأحمر هنا في "محطمة النظام" هو الغضب والدم/العنف، بيد أن اللون الغالب هنا هو الوردي، الدرجة الأخف من اللون الأحمر، وهو ما يرتبط بالأساس بأن بطلة الفيلم طفلة وليست شخص بالغ، وهو أيضا ما يمتد إلى المعضلة الدرامية الرئيسية في أن هذه الطفلة تتطلب معاملة خاصة ولا يمكن إيداعها أحد المؤسسات مشددة الحراسة نظرا لصغر سنها.

في أحد المشاهد تسأل بيني ميشا عن لونه المفضل، فيجيبها: "اللون الأحمر". كما أسلفنا فإن اللون الأحمر الوردي لا يفارق بيني طوال الفيلم، نراه يطغي على ملابسها خاصة في المشاهد التي تثور فيها في غضب محيط، نراه في تحول وجهها الأبيض إلى الأحمر في لحظات صراخها المفزعة.

وكما أن الفيلم يراوح ما بين الصراخ والهدوء، فإن ملابس بيني تتبدل ما بين الأحمر الساخن، والسماوي البارد. في أحد المشاهد التي تخبرها فيه أمها أنها ستعود للمنزل، تعتلي بيني الطاولة وترقص في فرح غامر مرتدية سترتها السماوية فوق قميص وردي، الغضب لا يزال هناك ولكنه قابع متواري خلف السماوي في لحظة سعادة نادرة. في المشهد التالي تعرف بيني أن أمها نكثت بوعدها، وأنها لن تعود إلى المنزل، ليرتد الغضب إلى المقدمة ومعه اللون الوردي الذي يعلو سترتها المغلقة على قميص سماوي متواري.

يميل اللون إلى أن يكون من الناحية السيكولوجية، عنصرا لا واعيا في الفيلم. فهو قوي العاطفة في مفعوله، وهو معبر وخالق للأجواء أكثر منه عنصرا ذكيا واعيا. وقد اكتشف علماء النفس بأنه بينما يحاول أكثر الناس تفسير خطوط التكوين بفاعلية، فإنهم يميلون إلى قبول اللون بلا فاعلية، تاركين له الإيحاء بالأجواء (moods) وليس الموجودات الملموسة.

من هنا يأتي تفرد فن السينما، في خبرة تلقيه المميزة التي لا يشاركه فيها أي من الفنون، فالمشاهد في مثل هذه الأفلام يعيش تجربة عاطفية حقيقية من خلال مثل هذه العناصر التي تخاطب لاوعيه، وهنا أيضا تكمن قيمة السينما الحقيقية، في مخاطبة مشاعر المتلقي بشكل غير مباشر، وفي التعبير عن أفكارها وسرد حكايتها بأدوات فنية خالصة وفي مقدمتها الصورة.

أدوات تعبيرية إضافية

على مدار الفيلم يتابع المشاهد لعبتين متوازيتين متكررتين، الأولى هي محاولة بيني الهرب من مؤسسة الرعاية والعودة إلى أمها ولكنها تصطدم دائما بكل من حولها وعلى رأسهم أمها التي لا تنفك تعيدها إلى مسئولي الرعاية في كل مرة تهرب فيها. واللعبة الثانية والتي تدور بشكل موازي هي محاولة مسئولي الرعاية السيطرة على بيني وغضبها بشتي الطرق، لكنهم يفشلون في كل مرة. يبدأ الفيلم بلحظة هدوء حيث بيني في المستشفى، ثم تتحول إلى لحظة ثورة وعنف تجاه من حولها، وبتقدم الفيلم نراقب بيني تتعرض لأحد مسببات ثورتها، وبدلا من أن نشاهد رد فعلها هذه المرة نشاهدها هادئة في المستشفى، فعند هذه اللحظة قد أدرك المشاهد بالفعل اللعبتين المتوازيتين، وكان القطع السريع لمشهد المستشفى كفيلا بإدراك ما حدث بالفعل.

يعتمد المونتاج في فيلم "محطمة النظام" على أسلوب القطع الحاد في الانتقال بين المشاهد، وهو ما يؤدي وظيفة تعبيرية إضافية في ترسيخ الإحساس بالانتقال بين الساخن والبارد، بين الهدوء والغضب، ويساعد المشاهد على التماهي مع الحالة الانفعالية للبطلة التي يتغير مزاجها بشكل عنيف وحاد ومفاجئ، كل ذلك مصحوب بموسيقى صاخبة تمتزج بصراخ بيني في لحظات غضبها، يتحول إلى هدوء تام في لحظات السلم، والقطع الحاد ما بين هذا وذاك ينقل المشاهد بشكل مفاجئ بين الحالتين.

بالرغم من اختلاف النقاد حول الفيلم، إلا أنهم اتفقوا في إشادتهم بالأداء التمثيلي المميز لبطلة الفيلم التي قامت بدورها الممثلة الألمانية هيلينا زنجل Helena Zengel. في دراما الشخصية يقع جزء كبير من القدرة التعبيرية على عاتق الممثل، وفي فيلم مثل "محطمة النظام" حيث الشخصية الرئيسية على قدر كبير من التعقيد، فضلا عن كونها طفلة، فإن المهمة تزداد صعوبة في اختيار الممثل ابتداء، وفي توجيه أدائه بعد ذلك.

التعبير عن الغضب من أصعب التحديات التي قد يقابلها الممثل، إذ أنه من المشاعر التي يمتزج فيها الجانب السيكولوجي بالجانب الجسدي، فالغضب وإن كان انفعالا نفسيا بالأساس إلا أنه يستحوذ على جسد صاحبه ويقوده بشكل لا إرادي، فتصدر عنه انفعالات جسدية لا يملك التحكم بها. ولكل هذا فإن الأداء التمثيلي لمثل هذه الأدوار يمثل تحديا كبيرا أمام الممثل، فهناك خيط رفيع للغاية بين الإتقان والمبالغة، وهو ما أدركته الطفلة هيلينا بشكل مذهل، فلا يتوقف تميزها في الأداء عند المشاهد العنيفة والتي يظهر فيها الغضب بشكل واضح في صراخها وانتفاضة جسدها وعنفها تجاه الآخرين، بل إنه يمتد إلى لحظات الهدوء أيضا التي أجادت فيها التعبير بالعيون عن ذلك الغضب الساكن بشكل مؤقت.

الصراخ والغضب الدائم عند بيني لم يكن تعبيرا عن خلل نفسي، ولم يكن بأي حال عدوانية متأصلة في الشخصية، وإنما هو بمثابة نداء استغاثة عن المعاناة الداخلية التي تعيشها الشخصية والصراع الدائم ما بين العقل والجسد، وتعبيرا عن اليأس المحيط بها في كل مرة تفشل محاولاتها المضنية للعودة إلى أمها. النص السينمائي هنا أجاد رسم الشخصية والتعبير عنها بمختلف الأدوات، وأكد في أكثر من موضع أن الهدف من معايشة قصة بيني ليس التعاطف مع حالتها وإنما فهم مبرراتها ودوافعها ورغبتها القوية في حياة هادئة في كنف أمها.

البعض رأى أن فيلم "محطمة النظام" لم يكن سوى حلقات متكررة من نفس الحدث، لكنه ليس كذلك في الحقيقة، وإنما هو عمل سينمائي أجاد استخدام أدواته التعبيرية المتصلة بشكل عميق بجوهر هذا الفن المميز، وكفل لمشاهده تجربة عاطفية حقيقية ومؤثرة لا يضاهيه فيها غيره من الفنون.

اقرأ أيضا:

Once Upon a Time in Hollywood: هكذا يرى تارانتينو السينما