"حديث عن الأشجار".. فيلم على طريقة سكورسيزي

تاريخ النشر: السبت، 9 نوفمبر، 2019 | آخر تحديث: السبت، 9 نوفمبر، 2019
Talking About Trees

في فبراير الماضي بدأت رحلة فيلم "حديث عن الأشجار" لصهيب قسم الباري إذ شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين في دورته 69، وحصد هناك جائزة أفضل فيلم تسجيلي، قبل أن يُعرض في عدة مهرجانات مضيفًا المزيد إلى جوائزه، مؤخرًا عُرض الفيلم في بانوراما الفيلم الأوروبي في دورتها 12.

رغم الكتابات الكثيرة التي أشادت بالفيلم منذ وقت عرضه وحتى الآن، فإنه يسمح بإضافة المزيد عنه، وسنحاول تناوله في السطور التالية من زاوية مختلفة.

منذ أيام قليلة نشر المخرج الكبير مارتن سكورسيزي مقالًا شديد الأهمية في The New York Times، يوضح فيه ما قاله منذ فترة عن أفلام مارفل وكونها ليست سينما بل أقرب للحدائق الترفيهية. في مقاله يوضح سكورسيزي ما هي السينما من وجهة نظره، وتعريفه هو ما سنحاول تطبيقه على ”حديث عن الأشجار“.

المخاطرة

"كما نعلم، تغيرت السينما في العشرين سنة الأخيرة على كل المستويات.. لكن التغيير الأسوأ وقع في هدوء وتحت جنح الظلام، وهو الغياب التدريجي والمستمر للمخاطرة" مارتن سكورسيزي

عدد الأفلام السودانية قليل جدًا، وهو أمر مفهوم نظرًا للظروف السياسية الصعبة والمتغيرة التي حلت بالبلد خلال عدة سنوات. فإن كان مارتن سكورسيزي يتحدث في مقاله عن المخاطرة المالية على الأرجح، أي إنتاج فيلم مختلف عن السائد وغير محسوب بدقة الأرباح التي سيجلبها، فإنتاج فيلم في السودان هو مخاطرة أكبر بكثير، يمكن أن يستغرق الفيلم سنوات لإتمامه، ويمكن بعد قطع أشواط ألا يكتمل العمل على الإطلاق، وهو ما شاهدناه بالفعل في الفيلم.

المخاطرة من أول العوامل التي نشاهدها حاضرة في فيلم صهيب قسم الباري، إذ لا يكتفي بالمشاق التقليدية التي يواجهها صناع السينما في السودان، والتي يسجلها داخل فيلمه ليصبح وثيقة مرئية مهمة عن حال الصناعة هناك، لكنه أيضًا يختار الاصطدام بالكثير من الخطوط الحمراء.

في الرحلة التي يصحبنا الفيلم خلالها، نتابع أربعة مخرجين ممن كانت لهم في الماضي أعمال مهمة، ويشكلون الآن قوام ”جماعة الفيلم السوداني“. يحاول هؤلاء إقامة عرض سينمائي في إحدى دور العرض المقفلة ليجدوا الكثير من العراقيل في مواجهتهم.

رغم أن الأمر يبدو بسيطًا، فإننا نكتشف بمرور المشاهد أنه محفوف بالخطر من كل جانب، ويصطدم بالسياسة والدين بل ويحتاج إلى موافقة المخابرات. المخاطرة هنا مضاعفة عدة مرات، والفيلم من التجارب السينمائية التي يصعب الاكتفاء بما قدمته على الشاشة، بل يجد المشاهد نفسه يتساءل حول ما دار في الكواليس، فإن كانت الرغبة في إقامة عرض محدود في إحدى المناطق الفقيرة يواجه بكل هذا التعسف، مع سؤال عبثي حول السبب في اختيار قاعة كبيرة وليس قاعة تَسَع عشرين شخصًا مثلًا، فماذا عن إتمام هذا الفيلم نفسه، وملاحقة كل هذه التفاصيل وربطها معًا؟

الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من مخرج شجاع.

الرؤية

"الكثير من الأفلام حاليًا، هي منتجات ممتازة معدة للاستهلاك الفوري. الكثير منها مصنوع عن طريق فريق من الموهوبين. لكن جميعها ينقصه شيء جوهري بالنسبة للسينما، وهو الرؤية الشاملة للفنان"..مارتن سكورسيزي

يركز سكورسيزي كلامه بالتأكيد على السينما الأمريكية، ولكن ما قاله ينطبق أيضًا على السينما المصرية لدينا، فمن النادر في السنوات الأخيرة مشاهدة فيلم يمكن أن نقول إنه يحمل رؤية حقيقية لمخرجه، والأمر ينطبق على الأفلام التجارية أو أفلام النوع، وكذلك ما يعرف بالأفلام الفنية.

بالعودة إلى "حديث عن الأشجار" فإننا يمكن ببساطة أن نقول إنه لولا وجود رؤية حقيقية لمخرج الفيلم لكنا شاهدنا فيلمًا مفككًا يود صاحبه أن يقول كل شيء فيفشل في قول أي شيء.

رغم أن الفيلم ينطلق من فكرة بسيطة كما ذكرنا، فإنه يتشعب ليضم لكثير من المشاهد التي تعبر عن واقع السودان. قبل نهاية الفيلم بقليل، نتابع عبر شاشة التلفاز نقلًا للإعلان عن نتيجة الإنتخابات الرئاسية السودانية عام 2015، وبعدها بقليل نقلًا لكلمة عمر البشير الرئيس السوداني المخلوع، وهو يذكر كلامًا عن الشفافية والمظهر الحضاري، الكلام الذي يبدو كوميديًا في هذا السياق، ليس لأننا نعرف أن الثورة في السودان أطاحت به، بل لأن الدولة التي نشاهدها تمنع عرض فيلم للجمهور في إحدى دور العرض، وتعلن أن إغلاق السينمات كان قرارًا سياسيًا، يصبح من الكوميديا أن نستمع إليها تتحدث عن الديموقراطية.

هذا التوظيف الذكي للمشهد السياسي السوداني، مرورًا بالسلطة الدينية أيضًا، ليلتقيا مع الخط الرئيسي للفيلم، دون أن يتحول إلى منشور سياسي قح، أو تجميع لعدة مشاهد متفرقة دون غزلها داخل الإطار العام للفيلم، هذا التوظيف الذكي إنما يعكس رؤية الفنان التي ذكرها سكورسيزي في مقاله، نحن أمل عمل ذو رؤية واضحة وطريقة سرد متماسكة، فيضم الكثير من الأفكار بسلاسة، فيخرج المشاهد لا يعلم كيف يبدأ حديثه عن الفيلم، لكنه يعلم كيف ينهيه، قد يبدأ بالحديث عن السياسة داخل الفيلم، أو الوضع المزري للسينمائين في السودان، أو التفكير في ما سيحدث لهؤلاء الآن، لكنه سينتهي إلى أنه قد شاهد فيلمًا في حب السينما بشكل رئيسي.

الشخصيات

"(السينما) كانت عن الأشخاص، تعقيدات البشر واختلافهم إلى حد التناقض، ما يجعلهم يحبون ويجرحون بعضهم البعض، قبل أن يواجهوا أنفسهم فجأة"..مارتن سكورسيزي

جانب من ثراء الفيلم يعود إلى الشخصيات الأربعة للمخرجين الذين نتابعهم خلال الأحداث، وهم إبراهيم شداد والطيب مهدي وسليمان محمد إبراهيم ومنار الهيلو، هؤلاء الذين نصبح قريبين منهم حتى نشعر بأننا سعداء قرب النهاية للمشاركة في عيد ميلاد أحدهم.

نتابع في الفيلم وجهة نظرهم في ما يحدث، وتحديهم للواقع المظلم، رمزيًا وفعليًا، إذ يبدأ الفيلم بهم وهم في مقر جماعة الفيلم السوداني يطلبون شركة الكهرباء للإبلاغ عن انقطاعها. ويحدونا بعض الأمل عندما يحاولون صناعة انتصار صغير للسينما، ونشعر بالإحباط أيضًا لكل ما يواجههم وكأننا نحن الذين خسرنا معركتنا.

الفيلم تسجيلي، والشخصيات ليست مكتوبة على الورق بل هي شخصيات حقيقية من لحم ودم، لكن التناغم والتباين بينها ملموس وكأنها مكتوبة خصيصًا للفيلم، فنجد السخرية اللاذعة الدائمة من إبراهيم شداد، والهدوء من سليمان إبراهيم، والرغبة في التعاون من منار الهيلو، والجدية الشديدة من الطيب مهدي.

لكنهم منهم همه الخاص المتمثل في ماضيه السينمائي البعيد الذي توقف نتيجة الظروف كما ذكرنا، وهمه العام المتمثل في محاولة إقامة هذا العرض كانتصار صغير للسينما، ولكل منهم رد فعل مختلف على ما يحدث، ربما كان لإبراهيم شداد نصيب الأسد من المَشاهد، حتى إنه كان بطل المشهد التمثيلي في البداية، ويظهر وحيدًا في مشهد النهاية، لكن هذا لم يمنع المخرج من الاستفادة والتوظيف الجيد لبقية الفريق، ليضيف هذا البعد الإنساني للشخصيات المزيد من البريق للفيلم، إذ لا نشاهد فيلمًا قاسيًا أو جافًا عن الواقع، بل فيلم عن أشخاص يشبهوننا وهم يحاولون التغلب على هذا الواقع.

السينما

"للأسف الموقف حاليًا، أننا أصبحنا أمام مجالين منفصلين، لدينا صناعة المواد المرئية والمسموعة العالمية المسلية، ولدينا السينما. ربما يتقاطعان من حين لآخر، وإن كان هذا قد أصبح شديد الندرة"..مارتن سكورسيزي

آخر ما نقتبسه من مقال سكورسيزي هو تعليقه على شكل صناعة السينما، إذ أوضح بعد شرح مستفيض أنه من النادر حاليًا أن تتقاطع الأعمال المسلية والسينما، والمقصود بالسينما هو كل ما سبق ذكره من عوامل يحرص عليها المخرج الأمريكي. بالتأكيد لا يمكن تصنيف ”حديث عن الأشجار“ بإنه فيلم ضخم الإنتاج كالأفلام التي يتحدث عنها سكورسيزي في المقام الأول، لكن يمكن بالتأكيد وصفه بالفيلم المسلي دون أن تكون هذه سبة كما يتعامل معها البعض، المقصود أن الفيلم يجذب الكثير من المشاهدين على اختلاف طبائهم وأذواقهم لما فيه تركيبة ذكية تجمع الكثير من الأفكار في مكان واحد، مع وجود الكثير من الكوميديا غير المتوقعة والموظفة بشكل جيد دائمًا. أما عن السينما، فبالتأكيد ما شاهدناه وما تحدثنا عنه في فيلم صهيب قسم الباري هو سينما، بل أكثر، في الحقيقة هو سينما عن السينما.

اقرأ أيضا

بالفيديو- مغني الراب ليل بامب يتعرض للدغة ثعبان في موقع تصوير أغنيته الجديدة

شهيرة تتحدث عن موت الفجأة بعد وفاة هيثم أحمد زكي