توب العيرة
في فيلمها التسجيلي الطويل الأول "توب العيرة"، المشارك ضمن مسابقة أفلام الحريات في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، تتناول المخرجة السورية لين الفيصل أزمة الحرب في بلدها من منظور إنساني شديد الخصوصية، بعيدا عن الأرقام والإحصاءات الجامدة التي تركز عليها نشرات الأخبار، أو صور الدمار والخراب التي بالرغم من قسوتها فقدت الكثير من تأثيرها على النفوس بعدما باتت مكررة على شاشات التليفزيون والسينما.
تختار الفيصل تحريك الكاميرا ناحية عائلتها المشتتة في أماكن متفرقة من العالم، وتركز على ثلاث شخصيات من أجيال مختلفة يفتحون جراح الروح أمام الجميع، ويبوحون بما فعلته الحرب في حياتهم، بعيدا عن الوضع السياسي المعقد. فهم أناس اضطرتهم الظروف القهرية إلى مغادرة الوطن، والسفر إلى بلاد أخرى في محاولة لتأسيس حياة جديدة، لكن أرواحهم تعاني من فراق الأحبة، وتحن إلى ماضي جميل، كانت فيه الحياة رائقة خالية من لحظات الوداع الكئيبة.
يتبنى الفيلم فكرة أن الوطن هو الملاذ الحقيقي الذي يشعر فيه الإنسان بالراحة، مهما كانت الظروف سيئة. فقد يقيم في أجمل بقاع الأرض، لكن يبقى تائها يحلم بالعودة لموطنه الأصلي. من هنا يأتي الاسم المستمد من المثل الشامي "توب العيرة ما بيدفي و إن دفا ما بيدوم". فعائلة لين الفيصل تفرقت بين الإمارات ولبنان وعدد من الدول الأوروبية، وبالرغم من أنها بلاد الأحلام التي تمر عليها الكاميرا سريعا مستعرضة بهائها ونظامها، فإنها تظل بالنسبة للسوريين مجرد أماكن معدومة الروح، يعيشون فيها مغتربين يشعرون بالمرارة والقهر والغضب.

يمكن اعتبار أن الشخصيات الثلاثة الرئيسية تقدم تمثيلا حيا لحال السوريين في الماضي والحاضر والمستقبل. فالجدة (سوسو) ذات الثمانين عامًا، هي جذر شجرة العائلة التي لا تطيق الاقتلاع من أرضها، وتلح باستمرار على العودة إلى الوطن. فكل ما تتمناه في هذه الحياة أن تجلس في شرفة منزلها الدمشقي لاحتساء قهوتها في هدوء، مثلما اعتادت في الماضي. أما ابنتها (دعاء) فهي سيدة شجاعة، تحاول مواجهة الحاضر القاسي الذي فرقها عن أبنائها، فتقبل خيار إعادة التوطين في بلد أوروبي على أمل لم شتات الأسرة الممزقة، تاركة ورائها ابنها الصغير عالقا في بيروت. فقد بات مكتوبا عليها أن تتحمل ألم الفراق في ظل الوضع الحالي. في حين أن الابن (سعد) الذي لم يتجاوز الثمانية عشر عامًا، يقيم بطريقة غير شرعية عاجزا عن تحقيق أحلامه، ويواجه مستقبل بلا معالم واضحة.
تعتمد الفيصل على أسلوب كاميرا الواقع التي تنقل الأحداث حية دون تزييف، فتبدو الصورة أقرب إلى ألبوم صور عائلي، يوثق كل ما يحدث فى حيواتهم، كل ما يمر بهم، خوفا من ضياع ذكرياتهم، وخشية من أن يمحوها الزمن بقسوته المعتادة. فهناك اهتمام شديد بتفاصيل الأماكن التي يعيشون بها، وشكل البنايات والأسطح، وأسماء الشوارع، إلى جانب تتبع الشخصيات أثناء قيامهم بالممارسات اليومية المعتادة، وتحديدا إعداد الطعام، الذي يعتبر وسيلة من وسائل العودة إلى الوطن وشم رائحته.
وقد غلبت التلقائية على أسلوب الحكي وتميزت مشاهد التجمعات العائلية بالعفوية الشديدة، نظرا لانعدام الحواجز بين من يتواجد أمام الكاميرا ومن يقف خلفها. كل هذه السياقات الإنسانية ساعدت على تعزيز الشعور بالتماهي مع الشخصيات ومأساتها. لأننا إذا نظرنا إلى هذه العائلة بصرف النظر عن جنسيتها، سنرى أنه لا يوجد فرق بينها وبين أي عائلة في مجتمع آخر. فالجميع معرضون لنفس المصير المهلك إذا دق ناقوس الحرب.

الفيلم أشبه بسيرة ذاتية لمخرجته الحاضرة باستمرار من خلال التعليق الصوتي والمواد المصورة التي تمثل زمنا اعتباريا يرتبط بذكريات الطفولة. وقد كانت هناك مجموعة من الأسئلة تشغل بالها طوال الوقت، حول معني الوطن وفكرة الانتماء لمكان محدد، وهل نرتبط بالجدران والمباني أم بالأشخاص الذين يعيشون داخلها؟ ظلت تبحث عن إجابات بين شوارع البلدان المختلفة، ثم أصبحت أكثر تفاعلا مع الحدث عندما عادت إلى دمشق لتعرف بنفسها. هنا يصبح الفيلم أكثر نضجا في تناوله للأزمة السورية، لأنه يخرج من عباءة الحنين إلى الماضي والذكريات، ليواجه الواقع الحقيقي. فحالة الانقسام التي خلفتها الحرب أحدثت فجوة بين الناس حتى وإن تم التظاهر بعكس ذلك، وبالتالي تبدل حال الوطن ربما إلى الأبد، ولم يعد المكان الذي يضم الجميع بصرف النظر عن اتجاهاتهم ومواقفهم السياسية.
تحاول المخرجة طوال الأحداث أن تكون متمسكة بالجانب الإنساني من حكاية عائلتها، لكن هذا لم يمنع من وجود بعض التلميحات السياسية المباشرة. ففي بداية الفيلم، نستمع من خلال مقطع مصور أرشيفي لنشيد الطلاب في المدرسة عن الوحدة العربية، في إشارة واضحة إلى التخاذل العربي تجاه الشأن السوري الآن. وفيما بعد يتم التطرق إلى تعامل العرب مع اللاجئين بطريقة تتسم بالبيروقراطية، وصولا إلى الجملة المتروكة في المنزل اللبناني التي توضح مدى حاجة اللاجئ إلى الدفاع عن نفسه باستمرار. صحيح أن هذا الجانب بعيد عن سياق الفيلم العام، لكن تم بلورته لإظهار الضغوط التي يتعرض لها هؤلاء البشر.
أهمية "توب العيرة" كامنة في تركيزه على الضرر النفسي الواقع على اللاجئين، لأن النظرات القاصرة ترى أنهم أفضل حالا من الذين يعيشون في مدن تحت الحصار محرومة من الاحتياجات الأساسية في الحياة. لكن لا أحد ينجو من الحرب. فهؤلاء المعذبون في أوطان لا ينتمون إليها، محرومون من حرية الاختيار، ومجبرون على الفراق، غير قادرين على تجاوز الحدود الجغرافية التي تفصل بين البلدان. وحتى إن تخطوها متحلين بروح الشجاعة، سيجدون أنفسهم محاطين بالوحدة من كل اتجاه، يشعرون بالغربة في موطنهم الأصلي، إلى حين إشعار آخر...
اقرأ أيضًا:
إدريسا أودراجو.. مناضل في ميدان السينما
الأجندة - فعاليات اليوم الأول لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية
فيديو – يسرا تتسلم جائزة الإنجاز مدى الحياة في حفل افتتاح مهرجان البحرين السينمائي
رمضان 2027 - حسام داغر ينضم لأبطال مسلسل "قاصد طريق" مع إياد نصار وصدقي صخر
نبيلة عبيد تدعم أشرف زكي: شغله الشاغل الممثل وكرامة الفنان
رمضان 2027 - محمد رمضان يدعو أحمد فلوكس للمشاركة في "عشماوي": كفارة والسجن للجدعان
رمضان 2027 - أحمد السقا وأحمد غزي يبدآن تحضيرات "كتف في كتف"
دينا الشربيني تتصدر البوستر الرسمي لمسرحية "علمي علوم" قبل انطلاق عروضها 13 نوفمبر
فيديو - أحمد العوضي يحقق حلم الطفل "روبين" مريض ضمور العضلات ويزوره في منزله
رمضان 2027- القائمة الكاملة لأبطال مسلسل "ميس هناء"
الشركة المنتجة لمسلسل "عشماوي" تنفي وجود خلافات بين محمد رمضان وبيتر ميمي
منها "حدوتة" لأحمد حلمي … 3 أفلام كوميدية مصرية تعرض في السينمات خلال نوفمبر
موعد عرض الحلقة الأخيرة من مسلسل "طالع نازل"
ماجد الكدواني عن فيلم The Cat In The Hat: الدوبلاج تجربة ممتعة وتحدي
فيديو - يسرا اللوزي: أجلت الإنجاب 5 سنوات بعد الزواج حتى أصبحت مستعدة للأمومة
فيديو - يسرا اللوزي: الاستقلال المادي للمرأة يمنحها الأمان وحرية القرار
أحمد مكي يعود إلى المسرح بـ"في حتة تانية" ضمن فعاليات موسم الرياض
مهرجان الدوحة السينمائي 2026 يكشف عن برنامجه الموسيقي النابض بأصوات المنطقة وإيقاعات العالم
إلهام شاهين صوت مرأة شجاع .. حين تتحول حرية الفن إلى معركة
الجمهور يلتف حول محمد رمضان وباسم سمرة في وسط البلد خلال تصوير "عشماوي"
في عيد ميلاده الـ61 ... شاروخان يفاجئ جمهوره بأغنية «Tu Mil Jaaye» من فيلم «King» قبل طرح الإعلان الرسمي
محمد علي رزق عن "جريمة في الزمالك": "علاء" شخص "نطع" موجود في المجتمع وهتشوفوني في رمضان مع "أخويا" أحمد العوضي