جريمة الإيموبيليا.. عندما يكون الفيلم أقل ذكاءً من المشاهد

جريمة الإيموبيليا.. عندما يكون الفيلم أقل ذكاءً من المشاهد

| في آراء،سينما وتلفزيون،المجلة تاريخ النشر: الأثنين ، 4 مارس 2019 - 14:29
جريمة الإيموبيليا جريمة الإيموبيليا
من القاتل؟

هذا السؤال العتيد الذي تعرف عليه الجمهور من الأدب البوليسي قبل أن ينتقل للسينما لجمهور أكبر، ظل محافظًا على طزاجته وقدرته على استفزاز ذكاء المشاهد منذ ظهوره وحتى الآن، لا يفقد هذا النوع من الأفلام جاذبيته بالتقادم طالما ظل هناك من يستطيع كتابة فيلم مُحكم يثير المشاهد حتى آخر مشاهده.

لكن السينما المصرية لا تضم في تاريخها الكثير من أفلام هذا النوع، ولهذا فمحاولة المخرج والسيناريست خالد الحجر صناعة فيلم جريمة كان أمرًا مبشرًا بالفعل.

"جريمة الإيموبيليا" فيلم جريمة بداية من عنوانه، وكنا نتمنى أن يكون إضافة جيدة لهذا النوع في السينما المصرية. فهل نجح بالفعل؟

جريمة وغموض ومتعة

تعتمد هذه النوعية من الأفلام على وجود جريمة قتل، مع لغز لمعرفة هوية القاتل، وفي بعض الأحيان كيف ارتكب جريمته، أشهر الأمثلة على هذا النوع هو الأفلام المأخوذة عن روايات أجاثا كريستي.

ليست كل أفلام الجريمة غامضة بالطبع، ففي بعض الأفلام نتعرف على القاتل منذ البداية ويُكمل الفيلم مسيرته في لعبة القط والفأر بين القاتل والشرطي لحين وقوع الأول في قبضة الأخير، وهو ما يصنف كفيلم جريمة وليس غموض مثل Catch Me If You Can "أمسكني إن استطعت"، والعكس صحيح، فهناك بعض الأفلام التي تقدم لغزًا ما يحاول الأبطال حله دون وجود جريمة، مثل فيلم The Sixth Sense "الحاسة السادسة".

نعود إلى أفلام الجريمة والتشويق، هناك بعض القوانين المهمة في هذه النوعية، والتي تضمن استمتاع المشاهد بالتجربة، وهذا ما سنحاول استعراضه في السطور التالية، والبحث عنه في ”جريمة الإيموبيليا“.

نريد حلًا

ألف باء أفلام الغموض، ألا ينكشف حل اللغز للمشاهد مبكرًا، يجب أن يكون الفيلم أذكى من المشاهد، يقدم السيناريو المعلومات التي تدفع الجمهور لافتراض معرفتهم بالقاتل قبل أن يكتشفوا في النهاية خطأ افتراضاتهم، وأن القاتل هو آخر شخص فكروا فيه.

حتى نستطيع تناول الفيلم بالتحليل يجب التعرض لبعض جوانب الأحداث ومنها نهاية الفيلم.

تدور أحداث "جريمة الإيموبيليا" عن كامل حلمي (هاني عادل) الروائي الذي يعاني من الفصام ويعيش وحيدًا في شقته الكبيرة في عمارة الإيموبيليا الشهيرة في وسط البلد. تقع حادثة غريبة في شقته، إذ تموت الفتاة التي تعرف عليها منذ ساعات قليلة سماح (ناهد السباعي) داخل شقته وتتطور الأحداث لتقع عدة جرائم متتالية لأشخاص قريبين بشكل أو بآخر من كامل.

منذ البداية نجد شخصيتين فقط يمكن أن تحوم حولهما الشبهات، كمال وصديقه المقرب وشريكه في دار النشر حبيب (طارق عبد العزيز)، يختار السيناريو ألا يوجد محقق أو شرطي في الأحداث، وهكذا تصير تتوزع احتمالات أن يكون أحدهما هو القاتل أو المدبر للجريمة بنسبة خمسين في المئة لكل منهما.

كمال هو الأقرب لأن يكون منفذ الجرائم، هو مصاب بالفصام ونستمع إلى صوت وساوسه طوال الوقت، وهو المستفيد المباشر من قتل حارس العمارة (يوسف إسماعيل) الذي ساعده في إخفاء جثة سماح، لكن السيناريو يجاهد حتى بداية الثلث الأخير في إقناعنا أن حبيب هو المدبر للجرائم المحيطة بكمال، وينجح في هذا إلى حد ما، إذ نجد إصرارًا مريبًا من حبيب على أن يعمل كمال على كتابة روايته الجديدة وينسى ما حدث بالكامل، ويساعد الأداء المتقن والأفضل في الفيلم لطارق عبد العزيز في جعلنا نشك أن هذه الشخصية المسالمة التي تساعد كمال تخفي وراءها شيئًا.

في الثلث الأخير يُقتل حبيب نفسه فنعود للشك في كمال مرة أخرى تلقائيًا ولا يخيب السيناريو التوقعات هذه المرة، لنكتشف أن كمال بالفعل هو من ارتكب الجرائم، وهكذا لا يصمد اللغز في بنائه طويلًا أمام المشاهد، وهذه كانت أول نقطة ضعف في سيناريو ”جريمة الإيموبيليا“.

إذا رجعنا إلى فيلم Murder on the Orient Express "جريمة على قطار الشرق السريع" بنسختيه، سنجد أن هناك دوافع متقاربة لدى كل شخصية على القطار لتكون هي مرتكبة الجريمة، ويظل المشاهد في حيرة بين كل الشخصيات حتى لحظات الكشف قرب النهاية، وهو ما لا يتحقق في "جريمة الإيموبيليا".

هكذا عرفنا القاتل، لكن يبقى أن نعرف تفاصيل الجريمة، وهنا سنتوقف عند نقطتين مهمتين في السيناريو.
الأولى هي طريقة الاكتشاف، فجأة يقتحم شخص شقة كمال (أحمد عبد الله محمود) بدافع السرقة وقتل كمال انتقامًا منه على قتل سماح التي نعرف أنه كان على علاقة بها، فيقتله كمال دفاعًا عن نفسه. لسبب غير واضح قرر هذا العشيق اقتحام شقة كمال بعد مرور عدة أيام ووقوع جريمتين أخريين، بينما كان يمكنه الإقدام على هذا بعد يوم أو اثنين فقط من مقتل سماح ودفنها، لكن السيناريو فضل تأجيل هذا الاقتحام لأنه كان سيعجل بنهاية الفيلم، هكذا فضل تأجيل الكشف على حساب المنطق.

النقطة الثانية هي طريقة تعريف كمال كمرتكب جريمتي قتل حارس العمارة وحبيب. بعد أن يقتل كمال مقتحم شقته، تخبره الوساوس التي يسمعها منذ بداية الفيلم أنه هو القاتل، ونشاهد لقطات فلاش باك لجريمتي القتل، لسبب غير معلوم أيضًا قررت هذه الوساوس أن تختار هذه المرة تحديدًا لتخبره أنه هو القاتل، وهكذا ينتهي الفيلم.

تفصيلة أخيرة قبل أن نترك الجريمة وننتقل للنقطة التالية، لم يكشف لنا الفيلم على الإطلاق سبب موت سماح، شاهدناها داخل الحمام تتألم وتضع يدها على موضع قلبها ثم ماتت، الشخصية التي بدأت كل هذا ماتت فجأة دون مقدمات ودون تفسير، وهو ما كان سيكون مقبولًا بشكل أكبر لو كنا نشاهد فيلمًا كوميديًا.

المشتبه بهم

من الجوانب المهمة أيضًا في أفلام الغموض، وفي كل الأفلام في الحقيقة، لكن تبرز أهميتها بشكل أكبر في هذا النوع أن تكون التفاصيل الممنوحة عن كل شخصية تصب في الحبكة الرئيسية، بل يمكن إخفاء بعض المعلومات وتقديمها تدريجيًا وكأننا نشاهد تكون لوحة كبيرة مكونة من قطع صغيرة تظهر تدريجيًا، ومن غير المقبول أيضًا أن تكون هذه التفاصيل لا تضيف أي شيء للشخصية أو دوافعها.

في فيلم ”المذنبون“ لسعيد مرزوق نشاهد عدة شخصيات متهمة بقتل ممثلة وأثناء التحقيقات نتعرف على خلفية كل شخصية وحجته للتنصل من جريمة القتل، كل تفصيلة لكل شخصية من الشخصيات كانت تصب في صورة أكبر تعكس فساد الفترة التي تدور أحداث الفيلم فيها، وفي نفس الوقت تكمل صورة أخرى وهي المحيطة بتفاصيل عملية القتل، وهكذا حتى نكتشف القاتل في النهاية.

في ”جريمة الإيموبيليا“ نجد الكثير من التفاصيل والشخصيات المجانية التي لا تضيف شيئًا للحبكة. على سبيل المثال يقدم لنا الفيلم زوجة حبيب (عزة الحسيني) وابنته (ياسمين الهواري) ويفرد مشهدًا كاملًا لعيد ميلاد الابنة، لكننا لا نجد أي تأثير لأفراد هذه الأسرة على الأحداث، الأمر نفسه ينطبق على تفاصيل أسرة كمال، إذ نعرف أن زوجته ماتت منتحرة وأبناؤه هاجروا للخارج، ونعرف أيضًا أن الزوجة انتحرت بسبب مرضه، ثم ماذا؟
انتظرنا أن يكون لانتحار الزوجة أي تأثير أو تحول على كمال ولكن هذا لم يحدث، وحتى مرضه كان سابقًا على موتها، وهي تفصيلة أخرى مجانية لم تضف الكثير إلى الحبكة.

الجانب الآخر هو الخاص بحياة كمال الذي نتعرف على كونه كاتبًا روائيًا، ونجده يملك الكثير من الأموال التي تجعله مطمعًا طوال أحداث الفيلم، ربما تبدو تفصيلة ليست رئيسية، ولكن التساؤل مشروع حول الروائي الذي يكسب كل هذا الكم من النقود، خاصة عندما نشاهد شخصية كمال عن قرب ونجده شخصًا عشوائيًا لا يمكن أن يكون إنتاجه الروائي يسير بمعدل منتظم ليضمن له هذا الدخل الكبير.

يحاول السيناريو أن يجد حلًا لهذه التفصيلة بجعل كمال شريكًا في دار نشر مع حبيب، وهو ما قد يضمن له دخلًا أفضل بالطبع، لكنه يعود لفكرة الروائي الذي يحقق ثروة عندما يطال حبيب كمال بكتابة الرواية لأنه سيفلس، فهل يمكن أن تكون رواية لكاتب ما هي طوق النجاة لدار نشر كاملة؟

هذه التفاصيل المتناثرة جعلت الشخصيات تبدو أكثر بعدًا عن المشاهد مهما حاول التوحد مع الحالة البصرية القاتمة التي نجح فيها الفيلم.

”جريمة الإيموبيليا“ كان لديه طموحا واضحا لأن يكون فيلم غموض جيد، وربما توافرت العوامل التقنية، وتحديدًا التصوير مع مدير التصوير المميز نستور كالفو، لكن يبقى السيناريو هو العامل الأهم في هذه النوعية من الأفلام، وفي هذه النقطة كان الفيلم أبعد ما يكون عن إصابة هدفه.

اقرأ أيضا

احجز مقعدك أمام شاشة Netflix لمشاهدة هذه المسلسلات.. مارس مميز


مواسم منتظرة لأشهر المسلسلات الأجنبية تحتل هذه الشاشات في مارس.. سقوط فرسان Knightfall

أندرو محسن

https://www.filfan.com/

2004-2018 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"