"نادي الرجال السري".. النجاح الضروري.. إلا قليلا

"نادي الرجال السري".. النجاح الضروري.. إلا قليلا

| في آراء،سينما وتلفزيون تاريخ النشر: الأثنين ، 4 فبراير 2019 - 23:21 | آخر تحديث: الأثنين ، 4 فبراير 2019 - 23:22
كريم عبد العزيز في "نادي الرجال السري" كريم عبد العزيز في "نادي الرجال السري"
عندما قدم المخرج خالد الحلفاوي فيلمه الأول "زنقة ستات" قبل قرابة الأربع سنوات، كان الفيلم مفاجأة سارة على عدة مستويات، أولها كونه نموذجًا للفيلم الكوميدي القائم على حبكة ذكية وسيناريو خفيف الظل وممثلين يقومون بالإضحاك بسبب تقديمهم لأدوار مكتوبة بعناية، وليس لقدراتهم الخاصة أو خفة ظلهم الفطرية (ويكفي إن بطل الفيلم كان ممثلًا جادًا لم يعرف عنه تقديم الكوميديا مثل حسن الرداد).

أما ثاني المستويات فهو كونه فيلمًا بشرنا بمولد مخرج كوميدي حقيقي، مخرج لديه فهم لحرفة تقديم الكوميديا وليس مجرد منفذ لأحلام الكوميديان وخيالاته، السبيل الذي صار أغلب مخرجي الكوميديا في القرن الحادي والعشرين ينتهجونه من أجل المزيد من العمل: طيبة القلب مع المنتج والبطل، الأول لا يريد الكثير من التكاليف وأيام التصوير، والثاني يريد تقديم خلطته التي يراها سر نجاحه، وفي النهاية الفيلم الكوميدي لا يُنتظر منه إشادات نقدية أو تتويجات بجوائز، فقط أن يُضحك الناس؛ والنتيجة أن الغالبية العظمى من الأفلام المصرية الكوميديا الحديثة، سواء المضحك منها أو من فشل في الإضحاك، هي أعمال بليدة إخراجيًا، دور المخرج ـ الذي يُفترض نظريًا أن يكون رب العمل ووالده الروحي ـ هو الوصول بها لبر الأمان لا أكثر.

كان "زنقة ستات" بشارة بموهبة لا تريد الانصياع لهذا النموذج، موهبة كفل لها مستوى الفيلم ونجاحه النسبي الاستمرار في العمل، ليُقدم الحلفاوي خلال الفترة التالية أربعة أفلام: "كدبة كل يوم"، "عشان خارجين"، "يا تهدي يا تعدي"، "خلاويص" بالإضافة إلى مسلسل "الوصية". عدد ضخم من الأعمال قياسًا على تقديمها في فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات. أعمال كان تواليها، والروح العامة المسيطرة عليها، ووقوعها جميعا (باستثناء المسلسل) في هامش يترواح بين الفشل التجاري والنجاح المحدود، مؤشرًا مُحزنًا بأن اختيارات جمهور السينما قد أحبطت مشروع مخرج كبير، وأن خالد الحلفاوي قد استسلم لمتطلبات السوق وبدأ يستنزف موهبته في تقديم أعمال بلا طموح، حتى لو أتقن صناعها عملهم سينتهي بها الحال مُباعة بأرقام لا تذكر لقنوات الأفلام بعد تعثرها في قاعات العرض.

أخيرًا يجد المخرج الموهوب ضالته، وأخيرًا تتُاح له العناصر السينمائية الكافية لتقديم فيلم ذي طموح كبير: جهة إنتاج عريقة تريد تقديم فيلم الموسم (أوسكار لؤي ووائل عبد الله)، نجم محبوب اعتاد طيلة مسيرته العمل مع مخرجين حقيقيين ولم يُعرف عنه تجاوز حدود الاحترافية (كريم عبد العزيز)، بالإضافة إلى سيناريو يقوم على فكرة جيدة، ويضم عددًا من الشخصيات التي تسمح باختيار نجوم بحجم ماجد الكدواني وغادة عادل وبيومي فؤاد لأداء الأدوار الداعمة.

قيمة الطموح وحرفة الإخراج الكوميدي


يُثار السؤال هنا: ما قيمة الطموح في فيلم كوميدي؟ وما الذي سيبقى من فيلم خفيف مضحك بعد سنوات؟ أليس الهدف هو قضاء الجمهور ساعتين ترفيهيتين بأي وسيلة ممكنة؟

نظريًا، قد يحمل الطرح وجاهته، ففي نهاية العام، والذي سيكون "نادي الرجال السري" بالتأكيد أحد أنجح أفلامه تجاريًا قياسًا على ما يحققه الفيلم من إيرادات منذ بدء عرضه، يمكن التأكد من الآن أن الفيلم لن يُذكر في قوائم الجوائز السنوية الجادة، ربما تكرمه بعض المجلات والاحتفالات المعتمدة على حضور النجوم، لكنه بالتأكيد سيسقط من الاختيارات النقدية، ولذلك سبب وجيه هو إنه فيلم جماهيري خفيف لا يحمل تجربة على مستوى الشكل والمضمون تجعله يستحق أن يوضع بين الأفضل في العام نقديًا، وهذا رأي صحيح يصعب الاختلاف معه.

في المقابل يأتي هذا الفيلم داخل صناعة تعيش منذ سنوات وضعًا حرجًا يكاد يقوّض تاريخًا يمتد لقرابة القرن. وضع تكاد تختفي فيه الأفلام جيدة الصنع، جماهيرية التوجه، المشغول على تفاصيلها بإتقان مع توجيه واضح لبوصلتها نحو الجمهور العريض، أفلام تصلح للمشاهدة خارج دوائر المثقفين والمهرجانات، دون أن تكون أعمالًا شعبية أو شعبوية، شعبية على شاكلة "عبدة موتة" وأفلام الخلطة السبكية، وشعبوية من نوعية "حرب كرموز" و"البدلة" تتظاهر بالتطور التقني والروح جاهلية: تُرسخ لأسوأ ما في السينما التجارية من أفكار وشخصيات وأساليب سينمائية.

لذلك، يُشكل ظهور فيلم مثل "نادي الرجال السري" حدثًا مهما، على الأقل على مستوى الصناعة، حدث يقول أن النجاح الكبير من الممكن حدوثه عندما يرفع منتج سقف طموحه ويقرر أن يجمع الجبهات الثلاث لأي عمل جماهيري دخل تاريخ السينما المصرية: حكاية مشوّقة، أبطال محبوبين، ومخرج قادر على أن يجعل الصورة الإجمالية الفيلم أكبر من مجموع أجزائه منفردة.

هنا تظهر موهبة خالد الحلفاوي في الإخراج الكوميدي التي استشعرناها من فيلمه الأول، والتي تنطلق من حقيقتين لا ينتبه لهما الكثيرون وهم يتسابقون في حشد "الإيفيهات" سعيًا للنجاح. الأولى هي أن المشهد الكوميدي هو قبل كل شيء مشهد داخل فيلم، وحدة بنائية، مهما احتوى على نكات مضحكة فهو بلا قيمة مالم يكتسب قيمته من وجوده داخل البناء الكلي للفيلم. أما الحقيقة الثانية فهي أن الأهم من مضمون الإيفيه هو كيفية تقديمه، سواء على مستوى مكانه وزمانه، أو على مستوى الإيقاع الذي ينقله به المخرج إلى الشاشة، والكوميديا فن إيقاعي من الطراز الأول.

النادي ورواده وفكرته البائعة


(تحذير: قد تحمل الفقرات التالية ما يكشف عن بعض تفاصيل حكاية الفيلم)


انطلاقًا من الفهم السابق يشغل خالد الحلفاوي فيلمه، عن سيناريو لأيمن وتار يقدم فيه لأول مرة أوراق اعتماده ككاتب سيناريو سينمائي كوميدي ناجح بعد تجارب سابقة كانت نصوصه نقطة الضعف الأساسية فيها، صحيح أن وتار رسم لنفسه شخصية بلا ملامح وزجّ بها عنوة داخل فيلم لا يحتاجها، وصحيح أن المخرج قَبَل بوجود هذه الشخصية التي لا تبدو أكثر من مجاملة للمؤلف الذي يحتاج لمراجعة اختياره لاحتراف التمثيل "الكوميدي"، لكن تبقى هذه هفوة يمكن غفرانها قياسًا على جودة السيناريو، والفيلم بشكل عام.

نادي سري يقوم الرجال بتأسيسه من أجل توفير غطاء شبه مخابراتي على خياناتهم الزوجية، وزوج يبدو في الصباح نموذجًا للرجل المغلوب على أمره المنسحق أمام زوجة تتحكم في كل تفاصيل حياته، يمارس في الليل حياة سرية صاخبة بالاستعانة بهذا النادي. الفكرة في حد ذاتها جذابة، نموذج لما يطلق عليه خبراء السيناريو high concept idea، أو الفكرة البائعة التي يُمكن أن تثير اهتمام من يستمع إليها باختصار، فتطرح في ذهنه عددًا من الاحتمالات التي تجعله راغبًا في معرفة المزيد.

الفكرة البائعة لها ميزاتها وعيوبها معًا، فمن جهة هي قادرة على الجذب في ثوان كما أوضحنا، ومن جهة أخرى ترفع مستوى توقعات المستمع أو المشاهد بما يجعل من الضروري على العمل أن يوفي بوعوده ويقدم ما يوازي جاذبية الفكرة وإلا شعر الجمهور بإحباط.

"نادي الرجال السري" ينجح في هذا الاختبار، ويقدم لمشاهده ما يوازي ـ بل ويزيد ـ عن توقعاته. خفة ظل واضحة تمتد لأغلب فترات الفيلم مفجرة ضحكات حقيقية، اهتمام واضح بالجودة خاصة في تصميم الديكور والملابس والإكسسوارات الخاصة بالفيلم والتي ساهمت في جعل حكاية غرائبية كهذه قابلة للتصديق داخل الإطار البصري لمدينة القاهرة، ممثلون أغلبهم يظهرون بشكل جيد حتى من اعتاد منهم الظهور بنسخ مكررة من نفسه (قارن بين أداء بيومي فؤاد هنا مثلًا وبين أداءه في عشرات الأعمال التي لا يتوقف عن قبولها)، وبالتأكيد وقبل كل ذلك، مخرج قادر على مزج هذه العناصر على طريقته، لتكون النتيجة أفضل حتى من معطياتها.

الخروج عن المسار أو الجودة لا تكتمل


وإذا كان الأديب العالمي نجيب محفوظ قد لخص تاريخ الإنسانية في جملته الشهيرة "آفة حارتنا النسيان"، فإننا سنحاول تلخيص العيب الأكبر للكوميديا المصرية عبر تاريخها وهو "آفة الكوميديا النهايات الجادة". لسبب ما، آمن أغلب صُناع الكوميديا المصرية طوال التاريخ أن الضحك وحده لا يكفي، وأن العمل كي يكتمل لابد من وجود فصل ختامي يحمل فكرة إنسانية عميقة ووعظة عابرة يخرج بها الجمهور. وضع جعل أجيالًا كاملة تعتاد مشاهدة الفصلين الأول والثاني من المسرحيات فقط، لعلمهم بأن الفصل الأخير دائمًا فصل خطابي سخيف بلا ضحكات، وصف يستقيم حتى مع عمل كوميدي أيقوني بحجم "مدرسة المشاغبين"، الذي يذكر الملايين كل نُكتة ذُكرت فيه، بينما لا يكاد العشرات يتذكرون تفاصيل فصله الختامي.

يقع "نادي الرجال السري" في نفس الفخ، فبعد تصاعد ذكي للأحداث، تبدأ فيه من كوميديا مغدقة في الخيال (عالم النادي السري ورواده وألاعيبهم) إلى مواجهة بين طرفين (خطة الزوجة) وصولًا لكوميديا عبثية تبلغ ذروتها في مشاهد القرية، فجأة يكتشف المؤلف أن عليه العودة إلى أرض الواقع، وتحويل الفيلم إلى مناظرة جادة ودراما مؤثرة حول الحياة الزوجية وما الذي يمكن أن يدفع رجل للخيانة.

الأزمة في هذا الانحراف الدرامي ليس فقط إنه يُخرج الفيلم من نوعه، ويهبط به من أعلى درجات المتعة إلى أقل درجات الملل، ولكنه إنه مخالف للمنطقين الفيلمي والحياتي. مخالف للمنطق الفيلمي لأنه يأتي مثلما قلنا بعد تصاعد شديد العبثية يصعب تصور العودة بعده للحديث عن أمور جادة، ومخالف للمنطق الحياتي لأن بعد كل ما حدث، خاصة مع تفصيلة صديقة البطل التي لم تعرفها الزوجة، وقياسًا على بناء الشخصيات التي رسمها النص، فمن المستحيل تحت أي مسمى أن تسفر المواجهة بين البطلين عن النتيجة التي انتهت عليها في الفيلم.

لماذا يُقدم صناع موهوبين يقدمون فيلمًا جيدًا على مثل هذا الخطأ الكلاسيكي الذي يُفسد نهاية فيلمهم؟ في الأغلب لاعتقادهم إن وجوده يمنح الفيلم نهاية سينمائية وقيمة فكرية. بينما الحقيقة أن مدارس الكوميديا السينمائية الحديثة كلها تخلصت من هذا العبء وصار التصاعد العبثي للنهاية شكلًا أفضل وأكثر قبولًا للنهاية، وأن جمهور السينما لن يذهب لفيلم مثل "نادي الرجال السري" بحثًا عن مناقشة حول الأزمات الزوجية، بل ليستمتع بالحكاية المضحكة التي يرجع لها الفضل الأكبر في النجاح الذي يحققه الفيلم.

"نادي الرجال السري" خطوة كانت ضرورية، في مسيرة مخرج قدم أوراق اعتماده رسميًا ضمن أفضل مخرجي الكوميديا المعاصرين (إن لم يكن أفضلهم على الإطلاق)، ومسيرة صناعة تحتاج لوجود هذا النوع من الأفلام الكبيرة والجيدة والناجحة. لكن ولأن "الحلو لا يكتمل" دائمًا، بقيت التجربة على المستوى الفني ناجحة "إلا قليلًا".

اقرأ أيضا

"نادي الرجال السري" فكرة كوميدية جديدة.. ماجد الكدواني الخاسر الوحيد!

comments powered by Disqus

أحمد شوقي

2/4/2019 11:22:45 PM

https://www.filfan.com/

2004-2018 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"