"حملة فريزر".. فكرة قديمة وعناصر طازجة

"حملة فريزر".. فكرة قديمة وعناصر طازجة

| في آراء،سينما وتلفزيون،المجلة تاريخ النشر: الثلاثاء ، 13 سبتمبر 2016 - 11:47 | آخر تحديث: الثلاثاء ، 13 سبتمبر 2016 - 13:44
حملة فريزر حملة فريزر
صناعة الأفلام عموماً والكوميديا خصوصاً هي اتفاق ضمني يبرمه صنّاع الفيلم مع المشاهد لتحديد إلتزامات كل طرف ناحية الآخر. الحكاية والمنطق والصورة والأفكار كلها قابلة للتفاوض حسب نوع الفيلم، أما مالا يقبل التفاوض في حالة الكوميديا فهو بالتأكيد الضحك، إذا لم يوجد فلن يلبي الفيلم أول أسباب وجوده وبالتالي يبطُل الاتفاق برمته. والأمر بالطبع نسبي، فما يُضحك قد لا يُضحك غيرك، لكن تبقى هناك قياسات عامة يمكن أن تكون مفيدة.

من بين أشكال هذا الاتفاق الضمني تأتي القوالب الثابتة، وهي التيمات التي أثبتت جدراتها باعتبارها مُنطلقاً صالحاً لصياغة حكاية كوميدية، فصارت قالباً يمكن استخدامه مرات عديدة بتغيير الشخصيات وتفاصيل القصة، بحيث تنتج في كل مرة عملاً يحمل قدر التجديد الكافي للإضحاك، رغم أننا لو حللناها لعناصرها الدرامية الأولية فلن نجد فيها أي شيء مختلف عن أعمال سابقة.

إلى هذا النوع ينتمي فيلم "حملة فريزر" للمخرج سامح عبد العزيز، وبطولة الثنائي شيكو وهشام ماجد بعد انفصالهما عن ثالثهما أحمد فهمي، واللذان قاما بوضع فكرة العمل ليكتب السيناريو ولاء شريف. والفكرة هي أحد أشهر القوالب الثابتة في الأفلام الكوميدية: عملية وطنية يُجند للقيام بها أقل الأشخاص كفاءة، وهو في حالتنا الممثل المغمور مديح البلبوصي (شيكو) الذي يضطر الضابط سراج الدين بعتذر (هشام ماجد) أن يكون هو رجله في تصوير الفيلم الوهمي الذي يغطي محاولة الوصول لسبب التغير المناخي في مصر ودخولها عصر جليدي.

عنصري تجديد في حكاية معتادة

القالب العام للفيلم قُدم عشرات المرات، بل كان بشكل ما هو قالب فيلم الهواة "رجال لا تعرف المستحيل" الذي بدأ شهرة الثلاثي (مع شق يتعلق بالمحاكاة الساخرة Parody)، ومن أبرز أفلام هذا القالب "العميل رقم 13" للمخرج مدحت السباعي، وبالطبع "لا تراجع ولا استسلام - القبضة الدامية" معالجة أحمد الجندي وأحمد مكي الرائعة للتيمة. هذا التراث من الأعمال المحبوبة التي تحكي الحكاية ذاتها تقريباً هو تحدٍ لصُناع "حملة فريزر"، بضرورة إيجاد عناصر تجديد تبث الحيوية في القالب وتشكّله حكاية ممتعة صالحة للمشاهدة.

حملة فريزر
على هذا الصدد ينجح "حملة فريزر" في توظيف عنصري تجديد تكاد المساحات الممتعة في الفيلم تقوم عليهما. العنصر الأول بالتأكيد هو فكرة العصر الجليدي والتغير المناخي في مصر، مدخل ليس فقط جديداً لم يُطرق من قبل، ولكن الأهم أن تنفيذه جاء بشكل ممتاز، سواء على مستوى الصورة والخدع التي يقدمها سامح عبد العزيز بتفوق لم أتوقعه شخصياً في فيلم مصري، أو مستوى توظيف الوضع في صياغة نكات غير مستهلكة أتاحتها الفكرة الجديدة، كسماع شكوى سائق تاكسي مصري من العواصف الثلجية أو تذمره من قيام عربة كارو تجرها الكلاب الجليدية بقطع طريقه.

طزاجة الصورة والمحتوى جعل النصف ساعة الأولى من الفيلم قبل بدء العملية وسفر الأبطال إلى أوروبا (التي صارت صيفاً بالمقارنة بمصر) هي أكثر فترات الفيلم جودة وإثارة للضحك. أصالة تنقضي بالسفر والعودة للأجواء الطبيعية، الانتقال الذي يأتي في الأغلب لأسباب إنتاجية تجعل من صناعة فيلماً كاملاً في أجواء جليدية مُخلقة بالخدع تكلفة إنتاجية أكبر من أن يحتملها الفيلم كمشروع تجاري هادف للربح.

مع الانتقال الأحداث لإيطاليا يعود الفيلم للقالب الكلاسيكي عن العميل غير الكفء ومهمته الخطيرة، وباستخدام الوقائع المعتادة والمتوقعة بأن تتسبب سذاجته في إفشال الخطة مبكراً قبل أن يعود ويغيّر من نفسه ليحقق الانتصار، وهو مسار إجباري يكاد القالب يفرضه، غير أن ما ينقذه من التكرار هو عنصر التجديد الثاني، بمزج التيمة بأخرى قد لا تكون جديدة لكنها أكثر حيوية وجاذبية وقبولاً لدى المشاهد وهي (الفيلم عن السينما Film about Film)، بكون غطاء المهمة ومن معهما هو تصوير فيلم سينمائي يلعب مديح بطولته.

حملة فريزر
الجمهور يحب مشاهدة كواليس عالم الأفلام حتى لو بصورة هزلية، بل أن فشل كل أطراف المهمة فيما يتعلق بالسينما كان محور المتعة في معظم أوقات "حملة فريزر"، من مديح الممثل الفاشل الذي ينال فرصته الأولى فيحاول التصرف مثل النجوم، أو تباهي (نسرين أمين بأداء خفيف الظل) العاهرة التي تجد نفسها فجأة بطلة سينمائية فلا يثنيها هذا عن ممارسة عملها الأصلي، أو حتى الفريق الأمني الذي يحاول أفراده التظاهر بالخبرة في عالم الأفلام. خيار طبيعة المهمة وما ترتب عليه من رسم للشخصيات كان هو محور الارتكاز الثاني لجودة العمل، وإن لم يكن طبعاً بنفس أصاله الجزء الأول في مصر الجليدية.

خيار سردي ذكي


أما أكثر خيار سردي يستحق مؤلف الفيلم ولاء شريف التحية عليه، فهو تجهيل الهدف الذي تهدف العملية لإيجاده، وكنا في مقال سابق عن فيلم "الجيل الرابع"قد تحدثنا عن نظرية المخرج البريطاني الأشهر ألفريد هيتشكوك حول الماك جوفين Mac guffin، والمقصود به الشيء الذي تتنافس حوله شخصيات الفيلم، سواء كان وثائق سرية أو ماسة نادرة أو قنبلة أو أي شيء آخر تحدده الدراما. حيث رأى هيتشكوك أن تضييع الوقت في خلق ماك جوفين مدهش هو مجرد هراء لأن قيمه الشيء الأساسية هو تحريك الدراما حوله، حتى لو كان الصراع يدور حول صندوق فارغ.

"حملة فريزر" يتعامل مع التفصيلة التي أفشلت أفلاماً منها "الجيل الرابع" بذكاء بالغ، فلا يقدم أي معلومات عن الماك جوفين الذي يسافر الأبطال لإيجاده في إيطاليا، بل ويتعمد السيناريو أن يُظهر هذا التجهيل، فيقول رجال الأمن أنهم بصدد البحث عن "البتاع" الذي تسبب في تغيير مناخ مصر، بما يضرب أربعة عصافير بجملة واحدة: هو إيفيه مضحك في حد ذاته، يرسم تصورات المشاهد عن مدى كفاءة رجال الأمن أبطال العملية، يُخلّص العمل من الوقوف عن تفصيلة غير مفيدة ويحرك الأحداث سريعاً، بالإضافة لاستخدام درامي سيظهر لاحقاً في أحداث الفيلم يعتمد على جهل الأبطال بطبيعة الشيء الذي يبحثون عنه.

بين حملة فريزر وكلب بلدي

إذا كانت الكوميديا هي فن التفاصيل، فلا يكفي فيها أن تكون الفكرة العامة جيدة أو جديدة، بل الأهم أن تكون التفاصيل هي التي تحمل المفاجأة والإمتاع، فإن خيارات صغيرة كهذه هي التي تُميز بين فيلم كوميدي يعرف كيف يوفي بالاتفاق الضمني مع جمهوره، وآخر ينشغل بفكرته التي قد تبدو من بعيد أفضل، لكن تحويلها لنص كامل وشخصيات بينها علاقات ودراما لا يأتي بقدر النجاح نفسه.

ما سبق يكاد ينطبق على الفارق بين "حملة فريزر" و"كلب بلدي"، الفيلمان الذي فرض تنافسهما في موسم واحد مع كونهما الأعمال الأولى للثلاثي المحبوب بعد الانفصال على الشاشة، فرض أن يوضعا في مقارنة مستمرة جعلت أحدهما لا يُذكر على لسان المشاهدين أو تعليقاتهم إلا مقترناً بالآخر.

المقارنة التي لم أتمنى يوماً أن أعقدها (رغم إيماني بحتمية حدوثها) تجعل الكفة تميل لصالح "حملة فريزر"، وذلك بالرغم من أن فكرة "كلب بلدي" العامة تبدو أكثر جاذبية وطزاجة عن منافسه القائم كما أوضحنا على قالب متكرر. لكن النجاح كالشيطان يكمن في التفاصيل التي أجاد صُنّاع فريزر صياغتها. مع التسليم بحقيقة محزنة هي أن كلا الفيلمين يقل كثيراً عن معظم الأعمال التي قدمها الثلاثي فهمي وهشام وشيكو معاً. ولنأمل أن تكون هذه آثار جانبية صالحة للتعافي في الأفلام المقبلة لكل منهم.

اقرأ أيضا
"كلب بلدي".. انفصال ضروري وخطوة للخلف
"البس عشان خارجين".. مغامرة كوميدية مستمرة
رسالة لوكارنو السينمائي(4)- "الماء والخضرة والوجه الحسن".. يسري نصر الله يصالح السينما الفنية والتجارية
بالفيديو .. "الضحك لم يكن بالقدر الكافي" و أفضل دور لنسرين أمين فى "حملة فريزر" .. من مراجعة "فيلم جامد"

أحمد شوقي

9/13/2016 1:44:03 PM

https://www.filfan.com/

2004-2018 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"