وحيد حامد يكتب: الثورة تحتاج إلى ثورة!!

وحيد حامد يكتب: الثورة تحتاج إلى ثورة!!

في حب مصر - 2011
| في آراء، تاريخ النشر: الأحد ، 6 مارس 2011 - 14:5
الكاتب الكبير وحيد حامد الكاتب الكبير وحيد حامد
• المقال منشور بصحيفة "المصري اليوم" بتاريخ ٥/ ٣/ ٢٠١١

ثورة الشباب التى أجهزت على النظام المستبد السابق أمرها واضح ومحسوم وتحظى بأغلبية كاسحة تحميها وتدفع عنها التراجع أو الانكسار. صحيح أن هذه الثورة أصابها شىء من الفتور، وضربها الملل بسبب عدم معقولية ما يجرى ويدور.. رغم أن هذه الثورة كانت فى بدايتها وبكارتها وجسارتها من أهم الانتصارات التى حققها الشعب المصرى، ويكفى أنها انتشلته من كل صنوف الهوان والخضوع وانطلقت به إلى أعلى حيث عالم الحرية والكبرياء، وأن يسترد المواطن المصرى، سواء شارك فى الثورة أو لم يشارك، إنسانيته التى تم تدميرها خلال سنوات الحكم الزائل، فهذا شىء عظيم ومدهش كان يجب أن نحافظ عليه ونعض عليه بالنواجذ، وهذا ما فشلنا فيه مع سبق الإصرار.

تتحول الثورة الآن إلى «مسخ فوضوى» يفرض سطوته وجبروت القوة التى يملكها على كل إرادة واعية وعاقلة تأمل وترجو ألا تجهض هذه الثورة نفسها بنفسها.. فلن يصبر الشعب المصرى بكل طوائفه على الحياة القلقة المزعجة المحاطة بالخوف وانعدام الأمان.. لن يصبر على حالة الجمود والركود التى أصابت سوق العمل والتجارة والصناعة.. لن يصبر على حالة الاكتئاب التى فرضت نفسها على الجميع، فضاقت النفوس وخنقت، وكأن هذه الثورة استكثرت على نفسها النجاح أو وجدت أنها ليست أهلاً له فقررت أن تحرقه، ثورة لم تسمح لأحد بأن يفرح بها فى ظل حالة الركود والعوز والفوضى.. أعلم تماماً أن هناك من يحذرنا من عودة فلول النظام الزائل، وهذا أمر غير مستبعد ولكن فى حالة واحدة فقط هى استمرار الأوضاع الحالية والبالغة السوء والانهيار على ما هى عليه..

أما أن يعود النظام حتى ولو بحرب فهذا أمر مستحيل.. النظام السابق ليست لديه القدرة على العودة حتى لو تحالف مع الشيطان نفسه، وحتى لو تخفى وأرتدى كل أقنعة الزيف والخداع والتآمر والأسباب عديدة.. منها الشيخوخة التى أصابته فتمكن منه الوهن وفسد حتى أكله العفن.. لقد سقط النظام كأنه بيت من طين أكله النمل الأبيض وظل قائماً ومع أول هزة ريح تحول إلى كومة تراب.. نظام ترك السلطة مرغماً ومفضوحاً وخائناً لشعبه وسارقاً وناهباً لثرواته فكيف يعود بالله عليكم وهو الذى يسعى إلى الفرار بكامل أفراده؟؟

ولكن هناك من يروج لهذا الأمر بكل قوته ومازال يحذرنا من بلطجية النظام الذين يحركهم رجال الأعمال الذين ابتلعوا ثروات مصر وأكلوها ناراً فى بطونهم.. الحقيقة أن هؤلاء قد تراجعوا وتواروا بعد ضربات العدالة القوية التى تلاحقهم بإعمال القانون، فى ذات الوقت حل محلهم بلطجية من نوع آخر، بلطجية لا تعنيهم الثورة من قريب أو بعيد.. إنهم يستهدفون المواطن المصرى بمختلف الجرائم، السطو والسرقة والنهب وقطع الطريق وتخريب المنشآت.. لقد تسلم المجلس العسكرى أمور البلاد، أى أننا نعيش فى ظل حكم عسكرى، وهو غير مرغوب فيه، ولا أحد يرحب به لأن الجيوش لا تحكم الشعوب وإنما تدافع عنها، الشعوب تُحكم مدنياً بواسطة قوانين ودساتير وقواعد وشروط وأيضاً شرعية.. والقبول بالحكم العسكرى الأصل فيه القبضة القوية التى تمسك بزمام الأمور وتحول دون انفلاتها كما هو حادث فى مصر الآن..

صحيح أن القوات المسلحة تعاملت بأعلى قدر من ضبط النفس والحكمة حتى إنها فقدت الشهداء وكأنها تريد عبور النهر دون أن تبتل ثيابها وتحرص على تسليم السلطة ملفوفة فى ورق سلوفان، وأهل مصر العقلاء المسلحون بالوعى يقدرون ذلك ويعرفون قيمته؟.. ولكن الغوغاء والأشرار لا يعرفون ولا يقدرون فانطلقوا فى ربوع مصر نهباً وسلباً وترويعاً فى غياب أجهزة الشرطة التى غابت عن الساحة بعد أن فقدت مواقعها وأصبحت شريدة وبلا مأوى وبلا هيبة وبلا فاعلية عملت أجهزة الإعلام بكل أشكالها على تأكيدها وصورت كل رجال الشرطة على أنهم الأعداء.. فتحول البلطجى السارق والناهب إلى ثورى ومناضل، والشرطى خائن ومدحور..

وحقيقة الأمر أن فى جهاز الشرطة من يستحق المساءلة والخضوع للعدالة فقد حدثت منهم تجاوزات مرعبة.. ولكن فساد البعض لا يجب أن يدفعنا إلى تكسير عظام رجال الشرطة لصالح شيوع الجريمة ونشر الفوضى وترويع الناس والاعتداء على الحقوق.. وأنا فى أشد حالات الدهشة والعجب من النهج الإعلامى السائد الآن حيث أشد حالات التشفى و«فرش الملاية وفتح صفائح الزبالة» دون حذر.. ويكون هذا الأمر واجباً ومنطقياً ومطلوباً فى حالة ثبوت الاتهام، لأن الثورة هدفها إقامة العدل.

الحالة الثانية أن يكون رجال الإعلام هؤلاء بلا تاريخ مشبع بالعفن فى خدمة وتلميع عناصر الحكم الزائل بالكذب والنفاق الممجوج والرياء والمداهنة.. والحمد لله أن المقالات مازالت موجودة.. وشرائط برامج التليفزيون محفوظة.. وفى استطاعة أى إعلامى أن يرى نفسه قبل وبعد ٢٥ يناير ويرى ما يراه فى نفسه أولاً.. يجب أن يتوجه الإعلام إلى الغد.. يجب أن يدعم الاستقرار.. يجب أن يعمل على إدارة دولاب العمل.. يجب أن يتعامل مع الأحداث بقدر تأثيرها، ليس الوقت وقت تصفية حسابات.. ولكنه وقت إقامة العدل.. وقت البناء.. لا وقت الهدم.. ويجب أن يعلم الجميع أن ثمن هذا الانتصار الذى جاءت به ثورة الشباب كان باهظاً.. تذكروا الشهداء وكلهم من البراعم التى كانت بصدد النمو والانطلاق. تذكروا شهداء الجيش والشرطة.. تذكروا أن حريق القاهرة الثانى كاد أن يحدث.. عليكم بحصر الخسائر المادية والعقارية والأثرية.. المتأمل يجد أنها خسائر حرب كبيرة.. لهذا كله لا نريد أن يحصد ثمار هذه الثورة الطغاة الذين يرتدون ثياب البراءة، أو أهل الفساد الذين تعودوا على النهش فى جسد الوطن..

ولا أبالغ إذا قلت إن كل شىء فى مصر أثناء فترة الحكم الزائل كان يشبه الحكم نفسه، وكان يحاكيه ويسعى إلى كسب رضائه، وكلنا أو أغلبنا يعرف أن يزيد بن معاوية كان مغرماً بملاعبة القرود وكان يهتف له كل من حوله حتى العلماء الأجلاء، ومنهم من بالغ وعندما تلقى عتاباً قال قولته الشهيرة «ارقص للقرد فى دولته» وعندنا كان الكل يرقص فى دولة القهر مرغماً أو بإرادته.. ولأننا لا نريد لأى قرد دولة فى مصر فيجب علينا أن نفيق من غفلتنا ونسأل أنفسنا بكل وضوح.. من هو صاحب المصلحة فى بقاء هذا الوضع المحزن؟ إلى متى تبقى المدارس مغلقة.. والمصالح معطلة وسبل الرزق مغلقة والفوضى ترقص فى الشوارع المخنوقة والأمان المفقود؟!

لقد أصبح الخط المستقيم متعرجاً وملتوياً، شباب الثورة مع حماسهم وفرحتهم بالنصر أصبحت مطالبهم بلا سقف.. فإذا افترضنا سلامة القصد وهذا هو الأكيد، عليهم أن يعلموا أن كونهم ثواراً لا يعنى أنهم على صواب فى كل ما يطرحونه.. ولا يجوز أن يفرضوا على الناس رغباتهم بالقوة والإرهاب فهذا هو الاستبداد بعينه والديكتاتورية بشحمها ولحمها، ويوم أغبر وملعون الذى نستبدل فيه استبدادا باستبداد آخر أكثر حدة وقسوة.. إن الذين يبذلون أقصى جهدهم لمسخ هذه الثورة وتحويلها إلى «هوجة» لا تفضى إلى شىء هم الذين لم يشاركوا فيها أصلاً والآن يبحثون عن دور وزعامة.. ليس كل من تواجد فى ميدان التحرير لمدة ساعة أو ساعتين تجول خلالها فى أنحاء الميدان وسط الحشود الغاضبة بالزعيم الثورى صاحب المبدأ والقضية حتى ينصّب نفسه زعيماً ومخططاً ومنظراً بعد انتهاء المعركة الضارية، وأكثر هؤلاء الانتهازيين لم تتسخ ثيابهم ولم يصابوا بخدش والآن يتاجرون بالثورة ودم الشهداء.. أيضاً يحرص فريق لا يستهان به على بقاء الوضع على ما هو عليه لأسباب سياسية فهو يحرص على أن يظهر ضعف وهوان الحكومة الحالية وعجزها عن إدارة البلاد حتى يتقدم ويتولى زمام الأمور.. ثم يأتى دور أعداء المجتمع فى كل زمان ومكان وهم الخارجون على القانون من اللصوص بكل فئاتهم ونوعياتهم والذين تسهل لهم حالة الفوضى أعمالهم الإجرامية، أما وقد رحلت حكومة الفريق شفيق التى كانت سبباً مباشراً وذريعة كبرى لاستمرار التظاهرات واحتلال ميدان التحرير فإننا ننتظر الأسباب الجديدة والمطالب التى سوف تسقط على رأس الحكومة الجديدة.

الآن الثورة تحتاج إلى ثورة..

شعار الثورة الأساسى هو الشعب يريد إسقاط النظام.. وقد سقط النظام.. وما يحدث الآن هو محاولة لإسقاط الدولة ذاتها وبكل منشآتها فى وقت عصيب وشديد القتامة دون النظر إلى ما يحيط بمصر من أخطار.. هل حاول المتاجرون بالثورة نجوم الإعلام الشرس الذى يبحث عن الجنازات ليأخذ دور «المعددة» دون وعى.. هل حاول هؤلاء مجرد التفكير فى مصير مليون ونصف مواطن مصرى فروا من الجحيم الذى يفرضه القذافى على الشعب الليبى، لقد عادوا بالملابس التى على أجسادهم فقط بعد أن فقدوا كل شىء، وهم أرباب أسر، والعناية بأمرهم واجب على الدولة ولا جدال فى ذلك، والدولة منهكة وعليلة وتسعى إلى التعافى، تريد أن تخطو خطوة إلى الأمام، ولكن هناك من يكبلها بالقيود والأصفاد وها هى المشاكل التى تسوقنا إلى الحرب قد اقتربت منا بعد الاعتداء على مصالح مصر الحيوية وماذا بعد اغتصاب ماء النهر الذى يروينا؟.. ألا تعقلون؟.. ألا تبصرون؟.. هل هذا وقت الجدل والنقاش غير المجدى.. الحصان أمام العربة أم العربة خلف الحصان؟! والوطن يعيش المحن و...

إن مصر الآن فى أمس الحاجة إلى القبضة القوية الحازمة، لا القبضة المستبدة الطاغية.. القبضة التى تعيد الأمن والاستقرار وتحمى مكاسب الثورة قبل أن تتهاوى الثورة نفسها وتأخذنا معها.. وهذه مسؤولية المجلس العسكرى الذى لا يقبل بهذه الفوضى التى تحرقنا.

السطور الأخيرة ...

- الزعيم الإخوانى الشهير الذى أرسل لى رسالة تقول (الرجوع إلى الحق فضيلة والإصرار على الخطأ خطيئة) أقول له اتق الله يا رجل فى هذا الوطن اعمل على إطفاء النار بدلاً من إشعالها فى هذا الوقت العصيب، ثم بأى حق تمنح الصواب لنفسك والخطأ لغيرك.. ليس هذا وقت المزايدة والمتاجرة وانتهاز الفرص.

- شاهدت -للأسف- ما أطلق عليه ندوة فى قناة Otv المصرية، وفى حياتى التى تجاوزت الستين عاماً لم أشهد هذا الانحدار والتدنى والسوقية التى سادت وسيطرت على حوار عقيم وسقيم ومكرر ومشبع بالغلظة والادعاء.. ما هذا الذى فعله الروائى علاء الأسوانى وأى شخصية كان يتقمص؟ وأى بضاعة كان يريد بيعها أو بالمعنى الأدق يريد تصديرها؟.. ولماذا كل هذه العدوانية والاستحواذ بشراسة قبيحة وفجة وبلا منطق أثناء النقاش الذى لم يفض إلى شىء ألبتة.. وما هذه الفوضى حيث الكل يتكلم فى آن واحد والكل يقاطع الكل.. لقد كان الفريق شفيق شديد الأدب.. شديد الصبر.. وكان الأجدر به أن يغادر. حتى الأستاذ الحصيف حمدى قنديل كان همه الأول تصفية الحسابات مع وزير الخارجية.. لقد أراد الرجلان حمدى وعلاء الجرى بأقصى سرعة نحو الزعامة، ولكن كان تحت قدم كل منهما قشرة موز.. فكان السقوط.. أما نجيب ساويرس فهكذا يكون المواطن المصرى.

كلمات متعلقة الثورة وحيد حامد

https://www.filfan.com/

2004-2020 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"