فيلم "الغرف الخلفية" من نوعية أفلام الرعب النفسي والغموض
* د.أحمد مجدي ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس
في فيلم "الغرف الخلفية" للمخرج الشاب كين بارسونز (Kane Parsons)، يكتشف كلارك (يلعب دوره تشيواتيل إجيوفور Chiwetel Ejiofor) - وهو مهندس معماري سابق لم يحقق أي نجاح يذكر في مهنته، وحاليًا مالك متجر أثاث رخيص يكافح من أجل الحصول على بعض النقود، بعد أن هجرته زوجته وحصلت على منزله بسبب اندفاعه وتهوره وعصبيته المفرطة- بوابةً إلى عالم غامض يتكون من حجرات سريالية لا نهاية لها على ما يبدو، وأماكن أخرى أشبه بالمتاهة وذلك داخل متجره، وقد اكتشف هذه البوابة مصادفة عندما لمح ضوءًا خافتًا خلف أحد الجدران، فيدخل عبره لينخرط في عالم موازٍ جنوني يحاكي الحياة الحقيقية، ولكنه عبارة عن حجرات لا نهائية فارغة تتغلف باللون الأصفر. يرى كلارك ويسمع داخلها دلائل على وجود شيء شرير وغريب يسكن هذه الغرف - يسمعه يزأر ويحطم الأشياء، ويقتل مساعدته الشخصية ورفيقها عندما يحضرهما كلارك لتصوير المكان، بغرض الحصول على فيديو يثبت وجود ذلك العالم أمام معالجته النفسية ماري (تلعب دورها ريناتي رينسف Renate Reinsve) التي تساعده على تخطي محنة هجر زوجته له.
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
فيلم "الغرف الخلفية" (تم طرحه في صالات العرض 29/5/2026) من نوعية أفلام الرعب النفسي والغموض التي تجسد كيف تتحول الوساوس والمخاوف والصدمات والهفوات النفسية إلى وحوش تجوب عوالمنا المستترة وحجرات عقولنا، لكي تمثل في النهاية انعكاسًا مرئيًا لما يكمن فينا من أسوأ وأبغض الصفات. فعندما دخل كلارك هذا العالم لم يكن إلا مجرد شخص عادي، ولكن مع الوقت تظهر نسخة مقيتة منه، عبارة عن كيان ضخم شرير يشبه القرصان يقتل من حوله، وذلك الكيان الضخم البشع يرتدي زيًا مشابهًا لزي القرصان الذي يظهر به كلارك في إعلانات متجره للأثاث، حيث يتقمص هذه الشخصية في الإعلانات التلفزيونية في محاولة لجذب الناس للشراء من متجره المتهالك، بل ويضع صورة القرصان في متجره في بداية الفيلم، لتشير إلى رغبته الدفينة داخل لاوعيه في لعب دور هذا القرصان الذي يعيش على النهب والسلب والقتل والتمرد على جميع القوانين. تمثل شخصية القرصان نسخة مشوهة من كلارك وعد تجسيدًا ماديًا قبيحًا لغضب كلارك وغروره واندفاعه في الحياة الحقيقية، وعدم رغبته في الاعتراف بإخفاقاته؛ سواء في حياته المهنية أو مع زوجته التي تركته بسبب إدمانه للكحول وتحوله إلي شخص عنيف ووحشي.
وقد شعر كلارك بأمان أكبر في "الغرف الخلفية" مما شعر به في حياته الحقيقية، لأن "الغرف الخلفية" منحته شيئًا لم يحصل عليه في عالمه الحقيقي وهو الشعور بالسيطرة والقوة والتحكم، وهي مشاعر فقدها في الخارج بعد أن هجرته زوجته، ومن وقتها يحاول أن يجد العالم المناسب الذي يستطيع فيه إعادة سيطرته على حياته، لكي يتخلص من عزلته النفسية ووطأة الشعور بالذنب، فلم يجد سوى الغرف الخلفية التي تحقق له ذلك، ولكن في صورة كابوسية قرصانية مشوهة ومموهة، تُظهر أسوأ ما بداخله، ويشعر كلارك من خلالها بالتصالح والرضا مع طبيعته المدمرة، التي تمكنه من العيش مع ذاته الحقيقية التي أضناها الاكتئاب والتعب، وأصبحت تتناسب مع طبيعة العالم الفوضوي الذي يتشكل نفسيًا ومعماريًا بناءً على انحرافاته النفسية وهواياته الشخصية، وتنبسط فيه أفكاره في مساحة مادية هندسية شاسعة تستوعب جميع رغباته المكبوتة، وتتوافق مع عمله كمهندس معماري، ينجذب لهذا العالم الذي تحول إلى مخططات وتصميمات هندسية معقدة.
كيف تتحول الوساوس والمخاوف والصدمات والهفوات النفسية إلى وحوش تجوب عوالمنا المستترة وحجرات عقولناعندما يختفي كلارك، تبدأ معالجته النفسية ماري بالتحقيق في الأمر، فتزور متجره لكي تتبعه إلى ذلك العالم الغريب. يعثر عليها كلارك ويأسرها، ويربطها بكرسي في حجرة في أعماق الأرض، وذلك حتى يجبرها على الاعتراف أنه لم يكن مخطئًا أبدًا في حياته، حيث تكشف إحدى جلساته مع ماري في السابق، أنه لا يستطيع تحمل مسؤولية دوره في طلاقه. لكن ماري تنهره وتواجهه بحقيقة أن خوفه من مواجهة نفسه وهفواته هو السبب الأول لما يقاسيه.
بمجرد أن تُجبر ماري كلارك على رؤية هفواته النفسية الداخلية – يعترف أخيرًا بأنه هو المسؤول الأول عن إخفاقاته في العالم الحقيقي، وليس زوجته، ولا مسيرته المعمارية المتعثرة، وعندما تحدث هذه المكاشفة ويواجه كلارك نفسه أخيرًا بحقيقته، ينقلب عليه قرينه (القرصان كلارك) ويعتبره غريبًا عنه، ويقضي عليه في الحال، حيث أن القرصان يجسد كراهية كلارك العميقة لذاته ومن حوله، وغضبه وغروره وعدم اعترافه بأخطائه -وهي ذاته الحقيقية التي تقود أفعاله- فعندما يستسلم كلارك أخيرًا ويعترف بأخطائه، يدرك القرصان كلارك أنه لم يعد هو نفسه، وقد أصبح يمثل تهديدًا لهما، فيقتله في الحال، ليؤكد المشهد أن طبيعة كلارك القاسية والمقيتة متجسدة رمزيًا في شخصية القرصان، هي ما أدت إلى مصير كلارك المحتوم، في تمثيل مباشر لتغلب الجزء المقيت والبدائي منه على الجزء الرحيم، في هذا الصراع النفسي الذي يشتد داخله.
ريناتي رينسف في الملصق الدعائي لفيلم "الغرف الخلفية"وحينها يطلق كلارك العنان للجزء الجامح والمظلم من نفسه (القرصان) إلى الأبد -وهو الجزء الذي لا يتمكن أبدًا من السيطرة عليه، وكان سببًا في إخفاقه في الخارج- على حساب الجزء الآخر(كلارك الأصلي).
تحاول ماري بعدها الهروب من ذلك القرصان الضخم الذي يطاردها بعد أن قتل كلارك. وأثناء هروب ماري من القرصان تتضح قصتها المؤلمة أيضًا، حيث دخلت والدتها إلى مصحة نفسية بعد رفضها مغادرة منزلهم أثناء هدمه على يد شركة عقارية بغرض بناء شقق سكنية فاخرة، تتشبث والدتها بمنزلها حتى انهارت ، ليتضح أن هذه القصة لن تمر مرور الكرام في الغرف الخلفية، حيث يبدو أن هذه الحادثة تترك أثرًا ملحوظًا داخل نفس ماري، وتظهر بعض الغرف داخل مبني سكني شاهق داخل عالم الغرف، في تجسيد مرئي لذكريات ماري المؤلمة عن حادثة هدم منزلها في السابق، ونرى بعدها نسخة مشوهة من ماري على غرار كلارك، ليبدو أن "الغرف الخلفية" تدرس أدق أسرارك وصدماتك النفسية ثم تُشكل نسخة مُشوهة منك لتحتفظ بك في عالمها إلى الأبد. فهي مثل المرآة السوداء للذات، تكشف عن جميع مشاعرنا الدفينة والباطنة وتحولها إلى حقيقة أمام أعيننا.
تشيواتيل إجيوفور في مشهد من فيلم "الغرف الخلفية"تبدو "الغرف الخلفية" تجسيدًا سينمائيًا لمفهوم اللاوعي الجمعي ((Collective Unconscious لعالم النفس "كارل جوستاف يونج" وهو مفهوم يشير إلى وجود طبقة مشتركة من العقل الباطن، لا تعتمد على التجارب الشخصية فقط، بل تمتد للإنسانية جميعًا، حيث تشكل كل ذاكرة وكل صدمة نفسية تحدث داخل العقل البشري رابطًا متصلًا ببعض الصدمات والأفكار المشتركة لبعض الأشخاص الآخرين.
فبدلًا من كون الغرف تمثل مجرد متاهة مرعبة مخيفة، فإنها تُمثّل مستودعًا جماعيًا للصدمات النفسية الإنسانية المشتركة، والذكريات المكبوتة، والواقع المتشظي والمفكك الذي تعيشه الشخصيات. ففي الغرف الخلفية، نرى الممرات الصفراء الضيقة بمثابة أبعاد مشتركة داخل لاوعي الإنسانية، حيث تطفو فيها ذكريات الإنسان وصدماته المتولدة عن الوحدة والتشتت والخوف والإنكار، وهو ما يحدث مع كلارك وماري، عندما تتجسد أفكار عقلهما الباطن داخل الغرف، وتتقاطع معًا وتنشط وتتوسع في بيئة فوضوية مشتركة تشبه اللا وعي الإنساني.
أكثر ما يميز الفيلم المشاهد المرعبة التي أتقن المخرج صناعتها، حيث كان تصوير الأماكن المغلقة والضيقة في كثير من الأحيان موفق بشكل كبير، فقد خلق المخرج حالة من الرعب ونحن نتابع كلارك وهو يكتشف المتاهة، ويعبر بعض ممراتها الضيقة، فنلمح داخلها بعض الظلال، أو نسمع بعض الأصوات الغامضة. كما قام المخرج بتقديم مشاهد الاستكشاف من منظور الشخص الأول (رؤية الجمهور للمشهد من خلال عيون الشخصية نفسها وهي تتجول، ويشعر حينها الجمهور بأنه شخصية من ضمن الأحداث) ومنظور الشخص الثالث (رؤية المشهد بشكل خارجي بمجال رؤية أوسع للبيئة والمكان عن طريق التصوير التقليدي) سواء كانت سريعة ومجنونة أو بطيئة ومرعبة، حيث قام بالمزج بين تقنية تصوير ألعاب الفيديو وتقنيات التصوير التقليدية ليضفي شعورًا مستمرًا بالقلق الوجودي من خلال أكثر من منظور بصري متتابع، مما يسمح للجمهور بخوض تجربة مشاهدة غامرة متنوعة ومقلقة، تُشعره أنه مطارد مثل الأبطال من الكائنات الغريبة ، وعليه أن يهرب من حجرة إلى حجرة، ومن مستوى إلى مستوى آخر مثل ألعاب الفيديو، وكلها حيل وتقنيات مختلفة على مستوى التصوير تهدف إلى إقحام الجمهور في الحدث المرعب أكثر، وذلك يتناسب مع أجواء الفيلم المشحونة بالتوتر.
مشهد من فيلم "الغرف الخلفية"الجدير بالذكر أن مفهوم "الغرف الخلفية" انتشر قبل صدور الفيلم بعدة سنوات وذلك في عام 2019 على موقع chan 4 ، تُصوَّر فكرة الغرف الخلفية عادةً على أنها مكان واسع خارج الأبعاد المألوفة، يتألف من غرف فارغة، ويُمكن الوصول إليها عبر الخروج من عالمنا الواقعي، وهي من أشهر الأمثلة على نوع من أنواع قصص الرعب القصيرة يسمى: كريپي باستا Creepypasta Genre. وقد بدأت الفكرة في الأساس بمحاولة تفسير صورة تظهر فيها غرفة كبيرة فارغة تتشح بلون أصفر مُقلق. التُقطت الصورة عام ٢٠٠٢، في متجر أثاث سابق أثناء قيام المستأجر الجديد بتجديد الموقع، ونُشرت على مدونة المتجر. لكي تتحول الصورة بعدها بسنوات إلى قصة رقمية مخيفة يتم تداولها على صفحات الإنترنت، ويتم تحويلها لمقاطع مصورة قصيرة وألعاب فيديو، قبل أن يتم تقديمها في فيلم طويل "الغرف الخلفية" عام 2026 على يد اليوتيوبروالمخرج الشاب كين بارسونز.
في النهاية يقدم فيلم "الغرف الخلفية" رؤية تحمل تفسيرات متعددة ومبتكرة ومرعبة لما قد نشعر به داخلنا من خوف وغضب وغرور وصدمات نفسية، تتجسد في صورة وحوش تجوب ممرات تتشح باللون الأصفر، داخل أرجاء حجرات لا وعينا الإنساني. لم تخلق الغرف الخلفية تلك الوحوش، بل نحن من فعلنا. الغرف الخلفية تُنشطها وتُجسدها أمامنا فقط في فضاءها الخارق للطبيعة، المتجاوز للأبعاد الواقعية، ولا يبقى سوى أن تبدأ تلك الغرف في نخر جدار عالمنا الحقيقي حتى يتحطم، وبعدها يتحول كل ما حولنا إلى غرف خلفية لا يمكن الهروب منها، نفقد داخلها القدرة على التفريق بين الواقع وتمثلاته الزائفة!
اقرأ أيضا:
موضة جديدة أم تقليعة قديمة ... Multi Watch Trend من شعبان عبد الرحيم لهيفاء وهبي وعمرو دياب
فيديو – عبير صبري: بعد انفصالي مكانش عندي قدرة أطبطب على نفسي
إلهام شاهين وهالة صدقي وياسر جلال ويحيى الفخراني يجمعون مع أشرف زكي لمناقشة قانون "حق الأداء العلني"
#شرطة_الموضة: نور الغندور بفستان ساتان وحقيبة "البيكيني" من pucci … سعر إطلالتها 189 ألف جنيه
لا يفوتك: سبب انسحاب منة فضالي من "عيلة عاملة عمايل" في سوريا
لا يفوتك: أجمل 5 أفلام هتخليك تتمشى في الزمن وانت قاعد مكانك
حمل آبلكيشن FilFan ... و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3LRWFz>
أحمد العوضي يرد على جدل الإيرادات بين "شمشون ودليلة" و"صقر وكناريا": كلامي مش موجه لمحمد إمام
فيديو – عبير صبري: بعد انفصالي مكانش عندي قدرة أطبطب على نفسي
رمضان 2027 – غادة عبد الرازق تخوض السباق الدرامي بـ"روح وجسد" و"خيوط من ذهب"
أحمد شاهين صديق دياب في "محمود الطيار"
بعد "عصابة الماكس" و"ابن النادي" ... حاتم صلاح يشارك أحمد فهمي وأسماء جلال فيلم "الفيل ع الدرفيل"
I Play Rocky يستعرض رحلة سيلفستر ستالون من ممثل مغمور إلى أسطورة سينمائية
خشبة المسرح تحيي إبداع باكثير: مسرحية "متحف باكثير" تحتفي بميلاده الـ 115
بدء التحضير لمسلسل "فرصة سعيدة" لأحمد مالك وميشيل ميلاد وستيفاني عطالله
بالشراكة مع صندوق البحر الأحمر - اختيار مشروعين سعوديين للمشاركة في ورشة "سود إكريتور"
رمضان 2027 - انطلاق تصوير "محمود الطيار" .. محمود البزاوي محتار بين انتصار ورباب ممتاز
شيكو عن أصعب مشاهد "صقر وكناريا": صورنا في الفيوم وجنبنا مزرعة فراخ ريحتها عالمية
فيديو وصور – تحول كامل وشامل لمظهر توم كروز في فيلمه الجديد Digger
نادين خان: "بنج كلي" مش فورمات دا عمل خاص بينا كمجتمع مصري
ياسمين رئيس تنضم لفيلم "شمس الزناتي" مع محمد امام
أحمد السقا يعيد اكتشاف نفسه "كوميديا" في "خلى بالك من نفسك"
هيثم دبور يحول رواية كورية إلى فيلم
طارق العريان يكشف عن جديده … فيلم رعب مع عمرو يوسف ومسلسل عالمي مع أمير المصري
خمسة أفلام مدعومة من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي ضمن برنامج مهرجان لوكارنو السينمائي 2026
بعد 10 سنوات ... دنيا وإيمي سمير غانم تقدمان الجزء الثاني من "نيللي وشريهان"
مي عمر عن "شمشون ودليلة": حبيت الأكشن أحمد السقا يخاف مني