أحمد حلمي في فيلم "خيال مآتة"
في منتصف القرن الماضي تقريبا اجتاحت العالم نظرية فنية أحدثت دويا هائلا في مجال الفنون الدرامية التي ظلت ثابتة على نظامها الملحمي منذ هوميروس.
أسست هذه النظرية، التي تعود إلى الكاتب الألماني برتولت بريخت (فبراير 1898 – أغسطس 1956)، لما عرف بـ"كسر الجدار الرابع"، وانتشرت تحت مصطلح شعبوي مباشر "كسر الإيهام البريختي" نسبة إلى صاحبها، ببساطة تتلخص فكرة بريخت في كسر جدار "الوهم" الذي وضعه في المركز الرابع في ترتيب جدران العمل الفني بعد (المكان – الزمان – العقدة)، ليصبح المشاهد/المتلقي وأيضا الممثل على وعي تام طوال العرض الفني أن ما يدور ما هو إلا تمثيل وليس حقيقة يعيش معها ويندمج فيها، كما كانت الأعمال الملحمية تهدف.
هذا ما قدمه فيلم أحمد حلمي الجديد "خيال مآتة"، الذي تعاون فيه مع المخرج خالد مرعي، ليقدما في العمل الخامس لهما معا، فيلما اعتمد المنهج البريختي، الذي لم تستسغه الذائقة الفنية العربية، وظل حبيس كتب النقد إلا في بعض تجارب خجولة في دورات مهرجان المسرح التجريبي.
وإن كان الثنائي (حلمي ومرعي) اختارا هذا الاتجاه لعرض فكرتهما في "خيال مآتة"، فإنهما قدما من قبل في فيلمهما "بلبل حيران" 2010 نفس المنهج البريختي في عرض فكرة استغلال تعرض بطله "بلبل" لحادث أفقده الذاكرة، وقيام شخصيات الفيلم (زينة – شيري عادل) بالتآمر عليه للانتقام بعدما ظنا أنه كان يتلاعب بهما، ومعرفة المشاهد بما يدور للبطل، ومشاهدته الممثلين وهم (يمثلون) داخل الفيلم ويتبادلون الأدوار للتلاعب بالبطل.
النصف الأول من فيلم "خيال مآتة" قدم لنا الشخصيات وأبعادها النفسية، وإن اكتفى في هذه الأبعاد بمستو سطحي للغاية دون أي تعمق حتى في الشخصية الرئيسية "يكن"، بينما تحول الجزء الثاني بالكامل إلى تمثيلية أو فيلم داخل الفيلم، بنى له الأبطال الديكور وجهزوا له المؤثرات الصوتية والبصرية واستعانوا بشخصيات لتقديم دور الكومبارس.
لم يقدم الكاتب الذي أتحفنا بأعمال درامية من الطراز الرفيع عبد الرحيم كمال فكرة أو حبكة درامية متميزة تجعلنا نقف أمامها طويلا، ففكرة الفيلم لا تتجاوز الصراع بين الخير والشر، ولحظة استيقاظ الضمير المفاجئة، التي لم يكن لها مبررا قويا في فيلمنا، فمشاهدة البطل لصديقه القديم ليس مبررا قويا لتحوله هذا التحول المفاجئ الغريب، ألم يمر بمثل هذه اللحظة من قبل أو حتى أقوى منها مع أشخاص أقرب له من صديقه؟ ألم تشهد سنوات عمره التي تجاوزت الثمانين لحظة أقوى من هذه اللحظة التي قام عليها التحول الدرامي للفيلم!

وبهذه البنية الدرامية الضعيفة، وقع العبء الأكبر على المخرج والفريق الفني للفيلم، فإذا كان حلمي ابتعد في "خيال مآتة" عن اقتباس الفكرة من الأفلام الأجنبية كما فعل في عدة أفلام سابقة، فإنه اقتبس هذه المرة طريقة معالجة الموضوع، فوجدنا أنفسنا أمام ديكورات وتنفيذ خدع فكرية تعتمد على التكنولوجيا، تشبه مشاهد السرقة في أفلام أجنبية كبيرة.
تمكن خالد مرعي مع فريق العمل: مي جلال تصميم الأزياء، وأحمد يوسف التصوير، ومونتاج خالد سليم من تقديم صورة جيدة لزمن مضى عليه ستون عاما، وقدم خالد داغر موسيقى جيدة تشبه أحداث التشويق والإثارة بالفيلم، باستثناء موسيقى المشاهد الأولى التي تدور في حقبة الستينيات من القرن الماضي، التي كان صوت الدرامز والباص جيتار غير مناسبان لها بالمرة.
قدم أحمد حلمي في الفيلم شخصيتين بثلاثة أدوار: الجد "يكن" والحفيد "عبد العزيز – زيزو" و"الجد المقلد"، الذي قدمه زيزو، وفي الحقيقة ليس لأحمد حلمي ذنب إذا شعرت أنك كنت تشاهده هو فقط طوال أحداث الفيلم، مع احترام مجهود باقي الفنانين المشاركين منة شلبي، وخالد الصاوي، وحسن حسني، وعبد الرحمن أبو زهرة، وبيومي فؤاد، ولطفي لبيب، وانتصار، وياسر الطوبجي، وسامي مغاوري، ورشوان توفيق، وإنعام سالوسة، ومحمود الليثي، وحمدي الميرغني.
فقد كُتب الفيلم هكذا، أحداث محددة بشكل دقيق، ومستوى درامي سطحي غير متشعب أو متعمق، حتى لو تم التلاعب بالزمن بالانتقال من الحاضر للماضي والعكس، فالفيلم لم يقدم أي عمق للشخصيات، بما فيها شخصية البطل كما سبق وأشرنا.
حتى مشاهد الكوميديا التي قدمتها انتصار أو شارك بها بيومي فؤاد، هرسها قطار الأحداث السريع الذي لم يكن له هدف سوى الوصول للمحطة النهائية لدرجة جعلت نهاية الفيلم مفاجأة للمشاهدين بعد مشهد حوار سريع بين الجد والحفيد / الماضي والحاضر.
حتى لو تذبذب المستوى صعودا وهبوطا من فيلم للآخر، سيظل أحمد حلمي صاحب المشروع الخاص، الذي يصمم أن يكمله دون الالتفات لأي شيء آخر، تميزت أعماله بشكل خاص، وضعه في مكانة لا ينافسه فيها أحد، فلا هو يقدم الكوميديا الصريحة مثل محمد هنيدي ومحمد سعد، ولا يقدم الأكشن على طريقة محمد رمضان، بل يقدم شيئا يشبهه هو يجمع عدة تصنيفات، فيمكنك وصف أفلامه بأنها لايت - ساخرة - اجتماعية.
لا يضع شباك التذاكر نصب عينيه، وإلا لرأيناه يقدم تلك الخلطات السينمائية الجاهزة، التي تحقق أعلى الإيرادات، بداية من خلطة السبكي التي اكتسح بها سينما الألفية الثانية بأغنية شعبية وراقصة وقصة حب، نهاية بأفلام الأكشن الأمريكاني التي تدور أحداثها في دول عدة ويستقدمون لها مصممي معارك من أمريكا، لذا ورغم الإيرادات العالية التي حققها في أول أيام عرضه، فإني أرى أن أفلام حلمي لا يليق بها العرض في موسم الأعياد، الذي يشكل الأطفال والمراهقون أكثر من 90% من رواد السينما فيه.
اقرأ أيضا للكاتب
"الممر"... يفتح الطريق لبطولات الجيش المصري إلى شاشة السينما
10 أسباب تفسر الحب الكبير لعزت أبو عوف
كواليس أول حلقتين من ورد على فل وياسمين أول بطولة لأحمد عبد الوهاب
104 ملايين جنيه في 4 أيام..رقم قياسي جديد لـ 7Dogs
أزمة "برشامة" تصل للبرلمان ... برلمانية حزب النور تتقدم ببيان لإيقاف عرض الفيلم
إذما: سيمفونية الهدوء النفسي في مواجهة الضجيج العصري
نبيلة عبيد تحكي كواليس ضرب أحمد زكي لها بالقلم في "شادر السمك"
أحمد حلمي يعلن تلقي عزاء والدته على المقابر فقط
رحيل والدة أحمد حلمي
محمد رمضان معلقا على خبر سحب فيلم "أسد" من دور السينما: امسك حرامي
أحمد داود عن المنافسة في موسم عيد الأضحى: مبسوط إني وسط أفلام كبيرة
"توت الأرض".. بين قيمة القضية واعتيادية الصياغة
"مينوتور".. مخرج عاد من الموت ليصنع فيلمًا عنه
لما جبريل عن صورة أنغام وأحمد عز: النهايات أخلاق .. ليه المجتمع اتعود على الطلاق بفضايح؟
فيديو - لما جبريل بعد رحيل محمد صلاح عن ليفربول: أكتر مرة عيط فيها في حياته
كريم عبدالعزيز "المتمرد"
هند صبري ترد على جدل كواليس مسلسل "مناعة": الجمهور واعي وعارف مين عايز يتشهر على حساب مين
سيد رجب: لوكيشن 7Dogs منضبط وملتزمين .. الإنتاج ضخم واتعلمت كتير
فيديو - باسم سمرة: بحب مونيكا بيلوتشي .. قمر ومعلق لها لوحة كبيرة في بيتي
عمرو أديب للما جبريل: اتفرجت على 7Dogs ثلاث مرات .. وتركي آل الشيخ عامل إنتاج متميز متعملش قبل كده
فيديو – هشام إسماعيل: الظروف بعد الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد عطلت انطلاقتي الفنية
الفنان علي عبد الحسن: نحتاج إلى رؤية جديدة لتطوير الدراما العربية والارتقاء بالفن إلى مستوى عالمي