فبلم اشتباك
تعيش مصر مرحلة انتقالية سياسية مستمرة منذ ما يزيد عن الخمس سنوات، تغيرت فيها عشرات المواقع والتصنيفات والانحيازات. وكما هو الحال في كل مرحلة انتقال تاريخية، يكون الانقسام هو عنوان اللعبة، تحالفات تنقلب عداوات، صداقات بطعم المصلحة، وسيل لا ينتهي من اتهامات متبادلة بالخيانة والعمالة والحماقة وغيرها من الكلمات التي صارت مسلم بها في المعجم الدارج بين المصريين. من هذه الحقيقة بالغة الحساسية ينطلق المخرج محمد دياب في فيلمه "اشتباك" الذي افتتح أمس الخميس 12 مايو فعاليات مسابقة نظرة ما، البرنامج الثاني في ترتيب الأهمية بمهرجان كان السينمائي، والذي يُعد اختيار الفيلم لافتتاحه تكريماً من إدارة المهرجان وإشادة ضمنية بمستواه.
التأكيد على الوضع السياسي الذي صُنع الفيلم خلاله يلزمنا بتحية لشجاعة المخرج والمؤلف (كتب السيناريو بالاشتراك مع شقيقه خالد دياب) في تناول هذا الموضوع بعينه، لأنه موضوع سيؤدي بالضرورة لاستقطاب لدى معظم مشاهدي الفيلم، أو للدقة من يملك منهم المعلومات الكافية لامتلاك رأي فيما حدث ويحدث في مصر. مهما كان الطرح الذي يقدمه الفيلم سيجد من يرفضه ويكيل له الاتهامات، وحتى لو حاول التوازن سيجد من يقرأ بين السطور ويفسر على طريقته ليدين أي لفظ لا يأتي على هواه. لعنة بالتأكيد كان دياب يدركها لاسيما وأنها منطلق دراما الفيلم بأكمله.
ما سبق لا يعني أن على صانع الفيلم ـ أي فيلم ـ عقد موائمة أو التعامل بحياد مع أي حدث أو قضية يتناولها. فالفن هو وجهة نظر شخصية يُعبر عنها صاحبها بما يملك من أدوات، والفن لا يشترط الحياد كالصحافة، بل إن في كثير الأوقات يأتي الفن الجيد من بعض الدوجمائيين والمسيسين وأصحاب المواقف المعلنة، طالما كان شعورهم حيال الموضوع صادقاً وكان لديهم القدرة التقنية على التعبير بشكل إبداعي. بالتالي فمن حق محمد دياب على كل مؤمن حقيقي بالفن أن يحاسبه من داخل فيلمه لا من خارجه، لا أن يسقط قناعاته الخاصة ويقيم عمل المخرج طبقاً لها، وهذا ما سأحاول فعله في هذا المقال.
انحياز للحيرة.. إلى حد ما
الحقيقة أن الفيلم ـ على الأقل ظاهرياً ـ يحاول الابتعاد عن الانحيازات، ليس من باب التوازن وإرضاء الجميع، ولكن لرغبة صانعه في التعبير عن حيرته الشخصية، أو بتعبير أدق عن انحيازه لشعور الحيرة داخل نفوس المصريين الذين يختار نماذج ممثلة لمعظم طوائفهم وانتماءاتهم السياسية، يضعهم داخل عربة ترحيلات تم جمعهم داخلها بشكل عشوائي يتماشى مع تخبط الوضع الذي تقع فيه الأحداث في الأيام التالية للإطاحة بمحمد مرسي من رئاسة مصر.
داخل العربة التي تتحرك بمن فيها وسط حر يوليو اجتمع الإخواني بالجهادي بمؤيد الجيش بابن العشوائيات، وإذا أضفنا الشخصيات الملازمة للسيارة من خارجها فسيضاف نماذج لضباط الشرطة وجنودها ومنهم المسيحي. خليط مزدحم أعطى للفيلم صخباً ملائم لجو الحكاية، ووضع الكاتبين في مأزق حقيقي هو التعامل مع هذا العدد الكبير من الشخصيات (وما يترتب عليه من وقت أقل متاح لكل شخصية)، دون أن يتحول كل منهم إلى استعارة في صورة إنسان، أي أن نرى رموزاً تتحدث وتتصارع ومشاهد تحمل عناوين من نوعية "ماذا يحدث عندما يشتبك الإخواني مع السلطوي؟" بدلاً من السؤال الدرامي الطبيعي "ماذا يحدث عندما يشتبك فلان مع فلان؟".

حسناً، بدرجة كبيرة تجاوز النص أغلب الأوقات هذه المشكلة المزمنة في الدراما المصرية. بل أن من يشاهد الفيلم سيمكنه أن يميز بين النوعين من المواقف، ففي المشاهد الممتعة والدراما الإنسانية المحركة للمشاعر ستجد الشخصيات بشر من لحم ودم، وفي المرات التي ينحو المشهد إلى الرمزية المباشرة يقل التماهي مباشرة ويبدأ العقل في تحليل الرموز، وبالتالي التقييم السياسي وإصدار الأحكام كما أوضحنا. في هذه اللحظات ـ المعدودة لحسن الحظ ـ ينخفض صوت السينما لحساب السياسة، لكن في باقي زمن الفيلم ستجد النضج المتمثل في محاولة الإمساك بالإنسانية داخل كل شخصية، الإنسانية التي تجعل كل الانتماءات تسقط من أجل مساعدة فتاة تريد أن تتبول، أو لإنقاذ رجل ينزف أو عجوز يكاد يختنق.
الإنسانية في فيلم دياب هي الدماء والعرق والبول والماء، هي السوائل التي يفرزها ويحتاجها كل جسد بشري، هي احترام هذا الجسد وهو أمر من الصعب الاختلاف حوله، مهما كانت الاعتقادات السياسية.
خطوة للأمام
يبقى أهم ما في "اشتباك" وبعيداً عن حديث السياسة هو ذلك النضج التقني الذي يأخذ به محمد دياب خطوة أبعد بكثير من فيلمه الأول "678" الذي كان كاتب المقال واحد من نقاد قلائل لم يبدوا إعجابهم به وقت عرضه. الاعتراض يومها كان نابعاً من أمرين: رغبة المخرج في مناقشة قضية لا سرد حكاية عن بشر، وشكلانية اختيار طريقة التصوير دون سبب درامي يبرر الخيار البصري.
في فيلمه الجديد يتخلص دياب بدرجة كبيرة من الأمرين، فصحيح أن الفيلم يناقش وضعاً سياسياً لكنه بالأساس حكاية أبطالها من لحم ودم، وصحيح أنه قائم بصرياً على خيار شكلاني لكنه هنا خيار نابع من الدراما، منفذ بإحكام على مستوى الصورة والتمثيل، مع إشادة خاصة بتحريك المجاميع في مشاهد المظاهرات وحصار عربة الترحيلات، وباستخدام الليزر الأخضر (أحد التفاصيل البصرية المميزة لتلك الفترة في الصور الإخبارية) في إثراء تكوين اللقطات.
الملاحظة الوحيدة على الصورة هو أن خيار المخرج بتصوير الفيلم بأكمله من داخل صندوق عربة الترحيلات جعله يستخدم الكاميرا في المشهد الافتتاحي بصورة مربكة، حيث تتحرك الكاميرا لترصد ما يحدث في الخارج حتى اعتقال أول شخصيتين (الصحفي والمصور). تتحرك بصورة تخلق لها وجوداً وشخصية تتلاشى بمجرد دخول الشخصيات وتتحول لكاميرا موضوعية. التصور الوحيد الذي يمكن أن يبرر هذا الخيار (البارز بحكم كونه افتتاحية الفيلم) هو أن محمد دياب أراد أن يجعل المشاهد هو الآخر أحد ركاب السيارة، أن تكون الكاميرا عينه التي ترصد ما يقع داخل الأمتار المربعة الثمانية التي تدور بها الأحداث.

"اشتباك" إذن هو عمل مشرف إجمالاً، يأخذ به صانعه خطوات للأمام على مستوى الصنعة، ويعيد للسينما المصرية تقدير المهرجان السينمائي الأهم لها بعد سنوات من الغياب. وبعيداً عن التقييم السياسي الذي لابد وأنه سيثار بشكل أكثر تفصيلاً عندما يُعرض الفيلم في الصالات المصرية، يبقى الفيلم تجربة ناجحة استحقت احتفاء كان بها.
اقرأ أيضا
خاص في الفن - رسالة كان (1): "كافيه سوسايتي".. وودي آلان يفتتح المهرجان بفيلم اعتيادي ومتقن
فيديو - زوجة سامي عبد الحليم: حالته تدهورت بسبب الإهمال الطبي
خيري حسن يروي أصعب موقف مهني: لم أستطع إذاعة خبر وفاة السادات
ياسر جلال: "القناع" 15 حلقة تشويق لرمضان 2027
حمزة العيلي في ملتقى "أولادنا": أرفض مصطلح "ذوي الإعاقة" .. ودور "مسكر" لم يكن موجودًا في السيناريو
تكريم منى زكي و80 فيلم عالمي في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة ... تفاصيل المؤتمر الصحفي
دينا فؤاد: نفسي أقدم دور جاسوسة من ملفات المخابرات أو بياعة مناديل في الشارع
الشغل بياخد من نضارة الست وهتجيب وقت منين لجوزها؟ - انتصار تثير الجدل بتصريحاتها عن شغل الست!
زينة منصور: "أم عبير" بقت أيقونة الإغراء الشعبي جبتها من الشارع وضحيت بشعري علشان أبقى شبهها
عمرو يوسف يروي كواليس مرض وعلاج زوجته كندة علوش من السرطان: ربنا ما يعيدها أيام
فيديو - زينة منصور مشيدة بكواليس أحمد العوضي: بيموت نفسه عشان خاطر الشغل
القصة الحقيقية لقضية "بني مزار" ... هل سنشاهد هذه التفاصيل في المسلسل؟
مهرجان الجونة السينمائي يمنح منى زكي جائزة الإنجاز الإبداعي
كريم عبد العزيز يتصدر أفيشات "مطلوب عائليًا" .. وموعد عرضه 7 أكتوبر
الشركه المنتجة تنفي استبعاد رامي صبري من غناء "أنا" لفيلم "ريد فلاج"
أمير المصري ضيف شرف في الجزء الثاني من MobLand في دور (لوكا)
تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي لـ 2027
ياسمين رئيس تخوض سباق دراما رمضان 2027 بمسلسل "ما تيجي نشوف" مع أحمد فهمي
هدى الإتربي تشارك محمد إمام أولى تجاربه المسرحية في "برنس العالم"
صور - رانيا يوسف تنضم لـ"سلطان الديب" مع أحمد العوضي لرمضان 2027 ... ثالث عمل يجمعهما
فوز "رصيف 17" و"أنيس الروح" وتنويه خاص لـOn My Behalf ... "البحر الأحمر السينمائي" تعلن الفائزين في تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة
صابرين النجيلي ودياب يطرحان "امسك حرامي"
منذ 18 ساعة
إدوارد يطرح فيديو كليب "Da Da اللي بحبه ده" بالاشتراك مع ياسر الحريري
منذ يومين
سامر أبو طالب يستعيد "الثمانينات" في فيديو كليب أغنية "رقصوني"
منذ يومين
ليالي عمر تطرح "العين قسمتنا اتنين" ثاني أغنياتها مع "روتانا"
منذ 7 أيام