١٥ مخرجا عالميا.. والهوس المتكرر في أفلامهم

١٥ مخرجا عالميا.. والهوس المتكرر في أفلامهم

جيه. إيه. جونزاليس، ترجمة: أحمد شوقي | في تقارير، تاريخ النشر: الأربعاء ، 19 أغسطس 2015 - 15:41 | آخر تحديث: الأحد ، 4 أكتوبر 2015 - 15:43
صورة مجمعة لعدد من المخرجين العالميين صورة مجمعة لعدد من المخرجين العالميين
ملحوظة المحرر: هذا التقرير مترجم إلى العربية، ونشر لأول مرة بالإنجليزية على موقع Taste of Cinema.(التقرير الأصلي بالإنجليزية).

إذا كنت تمل من قراءة الموضوعات الطويلة؛ طالع التقرير الآتي في ١٥ صورة

خلقت السينما بفضل إسهامات آلاف الفنانين متبايني الخلفيات والأفكار والرؤى، يعملون معاً ليبثوا الحياة في فكرة، ولو للحظة. وكأي فنان، يميل صناع الأفلام لامتلاك فكرة تكرر نفسها في أعمالهم، بشكل واعٍ أو غير واع. هذا الثابت قد يكون أي شيء: أسلوب مميز، موضوع شخصي، أو نزوع متكرر. أحيانا يحمل التكرار أمراً أكثر حميمية، قد يصل للفيتيشة الخافتة. قد يكون شيئاً مركباً كتكوين مشهد، مسيطراً كانهماك متواتر، أو بسيط كتميمة حظ. والحقيقة أن معظم الأفكار الثابتة غير مبررة، لكنها موجودة يستحيل تجاهلها.

1) لارس فون تراير واستشهاد المرأة
لارس فون تراير
فون تراير هو أكثر مخرجي العصر إثارة للجدل، وأكثرهم تنوعاً فيما يتعلق بالأسلوب. أفلامه الأولى مثل ما يُعرف بثلاثية أوروبا "The Element of Crime" و"Epidemic" و"Europa" امتازت بمزج عناصر التعبيرية الألمانية مع الخيال العلمي الذي لم يكن غريباً عن تلك الفترة (فلا ننسى "Brazil" تيري جيليام و" Delicatessen" مارك كارو وجان بيير جونيه).

بعدها تبنى فون تراير حركة "دوجما 95" محاولاً إعادة الواقعية للسينما، لينال الثناء على "The Idiots" و"Dancer in the Dark"، قبل أن يبتعد تدريجا عن الدوجما في "Dogville" و"Manderley". انتقادات اجتماعية صوّرت في ستوديوهات مينيمالية، ومنها إلى إنتاجات تقليدية نسبيا لكن لا تقل استفزازية في "Melancholia" و"Antichrist" و"Nymphomaniac".

بالرغم من التباين الشاسع في الأسلوب، هناك عدة ثوابت في أعمال لارس فون تراير، تتعلق في الأغلب برؤيته الخاصة للحياة والمجتمع، والتي تنعكس بعمق على شخصياته الرئيسية من النساء. نساء فون ترير تمتلكن دوماً نقاءً لا يحتمل عالمهن المعيب الذي يجبرن على العيش فيه. لذا، يضحين بأنفسهن عبر الألم والإذلال من أجل المحيطين بهن، رغم أنهم في أكثر الأحيان من تسببوا في جعلهن ضحايا.

المثال الأوضح بالطبع هو ثلاثية القلوب الذهبية "The Idiots" و"Breaking Waves" و"Dancer in the Dark". لكن يمكن أيضا أن نلمح ظلال هذا الهوس في أفلام أقدم كـ "The Element of Crime" الذي تستخدم طفلة فيه طُعماً لقاتل متسلسل. وهو نفس الهوس المتواجد في كل أعماله الحديثة تقريباً.

2) لويس بونويل والكاثوليكية
لويس بونويل
نشأته في إسبانيا مطلع القرن العشرين جعلت تكوينه مرتبطاً بنوع التعليم الذي تلقاه، لكن ليس على الطريقة التى أرادها الرهبان اليسوعيين الذين درّسوا له. فالمخرج المتمرد ـ والسينمائي السوريالي الأشهر ـ كرّس حياته للسخرية من ضحالة المجتمعات وخاصة الطبقات الراقية، مستخدما الكنيسة الكاثوليكية كمثال ممتاز لكل عيوب الإنسان.

في فيلمه القصير الأول الأيقوني "Un Chien Andalou"، يحاول البطل أن يهاجم البطلة، لكن يمنعه الوزن الذي يحمله، والمكوّن من بيانو ضخم داخله جثة حمار، وراهبين خجولين لعب أحدهما سلفادور دالي! صورة جمعت بوضوح نظرة بونويل القاتمة عن الدين والمجتمع والناس بشكل عام.

الأمر يذهب أبعد من مجرد سخرية محدودة أو انعكاس لرضا البرجوازية عن حالها كما يظهر في "L’Age D’Or" و"The Exterminating Angel and The Discreet Charm of Bourgeoisie"، ليصل إلى هوس واضح جعل علاقة الناس بالدين موضوعاً أساسيا لأفلام "Nazarín" و"Viridiana" و"Simon" و"Desert and The Milky Way". "Nazarín" و"Viridiana" تحديدا يحكيان عن رجال دين يحاولون فعل الخير، فتمنعهم حقائق ورذائل الإنسانية.

استكمالا للسخرية، لعب بونويل دور كاهن المدينة في "En este pueblo no hay ladrones"، الفيلم المكسيكي الذي صُنع في الستينيات عن قصة لجابرييل جارسيا ماركيز، الذي يظهر هو الآخر في الفيلم.

3) بيتر جرينواي والرسم
بيتر جرينواي
مخرج "A Zed and Two Noughts" و"The Cook, The Thief, His Wife and Her Lover" ومؤخرا "Nightwatching". أسلوب جرينواي الدلالي تأثر بوضوح بولهه الطويل بفن الرسم، المهنة التي حلم بممارستها قبل أن يصير مخرجا. قناعته بأن السينما تفتقر للاهتمام بالتفاصيل والميزانسين المتواجدين في فنه المفضل، جعلته يطور نمطاً شكلانياً يقوم على التكوينات البصرية ذات الجمالية الفائقة، التي جعلت الكثير من أفلامه أشبه باللوحات الحية منها للسينما التقليدية.

الرسم والفنون عموما ليست فقط أمور مؤثرة في أسلوب جرينواي، ولكنها تظهر أيضا في حكايات أفلامه مثل "The Draughtsman’s Contract" و"The Belly of an Architect" و"Prospero’s Book". كما أنه ليس من الصعب أن ندرك امتلاك جرينواي لحب خاص للرسامين الفلمنكيين أكثر من غيرهم. التلميحات عنهم تكثر في أفلامه، مثل الجراح المهووس بفيرمير في "A Zed and Two Noughts"، أو مطعم اسمه "الهولندي" يعرض لوحة ضخمة لرمبرانت في "The Cook, The Thief, His Wife and Her Lover"، وبالطبع ثنائية "Rembrandt’s J’Accouse" و"Nightwatching"، فيلمين عن القصة وراء لوحة رمبرانت الشهيرة "الحراسة الليلية"، أحدهما روائي والآخر تسجيلي.

4) ويس أندرسون والتفاصيل الدقيقة
ويس أندرسون
أندرسون هو أحد أكثر المخرجين الأمريكيين شهرة من بني جيله، لكن من الصعب أن تحدد بوضوح واحدة فقط من العناصر المتكررة بشكل ملحوظ في أعماله، من جمالياته اللونية للعلاقات الأسرية المعقدة. قد يكون لأسلوبه بعض الخصوم، لكنه أسلوب يحركه التفاني والحب. مثال ذلك، وربما أبرز سمة في أفلام أندرسون، هو حبه لإبراز التفاصيل البسيطة وغير المهمة لشخصياته والعالم الذي تعيش فيه، وخاصة الخطابات والكتب والخرائط، والتي تظهر عادة لثوان قليلة ولكن بوضوح وفي لقطات مقربة.

هذا يساعد أندرسون على إضافة مستويات من العمق الواقعي والتشابه مع الحكايات المروية الغريبة، إلى جمالياته المفضلة المشابهة لألوان الستينيات وبداية السبعينيات، تماما مثلما فعل تيم بيرتون في أفلامه مع عقدي الأربعينيات والخمسينيات. يميل أندرسون لتحقيق التوازن، والتلاعب بالسخرية والمثالية في تخطيطه لمشاهده. ولعل المثال الأبرز لهوس ويس أندرسون بالتفاصيل الدقيقة هي جزيرة نيو بينزانس في فيلم "Moonrise Kingdom". الأمر وصل به لأنه كي يقوم بالترويج للفيلم، نشر مقاطع فيديو لأبطاله يسردون معلومات مفصلة عن الجزيرة وسكانها، ومنها مقطع يركز فقط على الكتب المفضلة لإحدى الشخصيات.

وحتى في الفترة التي قام أندرسون فيها بتأليف كتب خيالية مصنوعة بطريقة الكولاج، وعندما كتب قصة قصيرة بعنوان "Let" تدور أحداثها في مكتبة، وضع اهتماما كبيرا في عناوين الكتب والمؤلفين المحيطة بأبطال الحكاية.

5) ستانلي كوبريك والحمامات
ستانلي كوبريك
هو أكثر من صانع أفلام. ستانلي كوبريك كان علامة فارقة في تاريخ الفنون. أفلامه القليلة المشحونة بالمعاني، أطلقت عقوداً من الجدل والتكهنات حول ما تضمه من معان. والفيلم التسجيلي الذي صدر مؤخرا "Room 237" يثبت أنه كوبريك، ورغم وفاته عام 1999، سيظل رمزا مطروحا للتوقير والدراسة.

هناك عناصر في أفلام كوبريك واضحة عن غيرها، مثل المخيلة الجنسية في "Dr. Strangelove" والنغمات الشيطانية الخافتة في "A Clockwork Orange". لكن ربما تكون أبرز الموتيفات المتكررة في أفلام ستانلي كوبريك هي ارتباط المواقف السيئة عادة بالحمامات والمراحيض وأماكن الاستحمام.

الأمثلة كثيرة: في "Lolita" مذكرات همبرت تكتشفها زوجته عندما كان يستعد لأخذ حمام. في "Dr. Strangelove" الجنرال ريبر ينتحر في حمام مكتبه، ليموت ومعه الكود الوحيد الذي يمكن أن ينقذ العالم من انفجار نووي. هوية أليكس تتضح لضحيته السابقة في "A Clockwork Orange" أثناء غناءه في الحمام. في حمامين مختلفين تقوم الأشباح بإغواء جاك في "The Shining". وجومر بايل يطل النار على الرقيب داخل المراحيض في "Full Metal Jacket". من هذا نفهم أن الحمام ربما كان يمثل لكوبريك المكان الذي توضع فيه كل الأقنعة، ولا يبقى سوى مشاعر الضعف البشري.

6) جاك تاتي ولاإنسانية الحياة المعاصرة
جاك تاتي
مثل تشارلي تشابلن، تمكن الفرنسي جاك تاتي من استخدام بساطة البانتومايم وكوميديا المبالغة الحركية في إنتاج انتقادات مركبة للمجتمعات. علامات ضيق تاتي من ثقافة ما بعد الحرب في فرنسا يمكن أن نجدها في بعض أعماله القديمة: محاولات ساعي البريد السخيفة في "Jour de Fete" لتجاوز كفاءة خدمات البريد الأمريكية، وعدم قدرة السائحين السذج على الاستمتاع بسحر الشاطيء المجاور لهم في "Les Vancances de Monsieur Hulot".

لكن عدم رضا جاك تاتي عن المجتمع المعاصر بلغ أوضح صوره في "Mon Oncle" و"Playtime"، وفيها نشاهد هولو (شخصية تاتي الدائمة في أفلامه) في باريس التي لم يحرمها الدمار من جمالها، يعبر شوارع مليئة ببائعي السمك والبقالين، ويجد نفسه محاصرا في مبنى أحادي اللون من الزجاج والصلب، يعيش فيه رجال ونساء يتحركون كالروبوت ويعيشون حياة ميكانيكية تستخدم في الأغلب آلات غير فعالة وغير ضرورية.

ومن المفارقات، أن حياة الأربعينيات والخمسينيات العقيمة التي سخر منها تاتي، ينظر إليها البعض حاليا بنفس النوستالجيا التي كانت أفلامه تمتلئ بها.

7) أليخاندرو خودوروفسكي والإخصاء
أليخاندرو خودوروفسكي
واحدة من المخرجين اللاتينيين الأكثر أصالة. أفلامه ليست كثيرة لكنها دائما شخصية جدا وتمثل تجربة لا تنسى للجمهور. بعد عقود من تحوله لأحد آلهة السينما بصوفية فريدة وقودها المخدرات، وتفكيك دائم للأنواع وسخرية على الطريقة اللاتينية، أعاد جيل جديد من هواة السينما اكتشافه بإصدار فيلمه الأحدث "The Dance of Reality" وفيلم تسجيلي آخر عن مشروعه غير المكتمل لتحويل رواية الخيال العلمي "Dune" إلى فيلم، كان من المفترض أن يمثل فيه أورسون ويليز وسلفادور دالي، ويصممه هانز رودي جيجر، ويضع موسيقاه بينك فلويد.

كمعظم عناصر أفلام خودوروفسكي، تحمل مشاهد الإخصاء معان رمزية مبطنة، كأن تكون فعل للخضوع أو الهزيمة تتعرض لها شخصية ذكورية عليا، مثل الكورونيل في "El Topo" بعد هزيمته أمام البطل، والجرينجو في "Santa Sangre" عندما تقتله زوجته بسبب علاقة غير شرعية. أما في "The Holy Mountain" أكثر أفلام خودوروفسكي إثارة للحيرة، فالإخصاء يمارس كطقس من رئيس جماعة شبه عسكرية لجميع أعضاءها، فقط ليتم إيداع أعضاءهم في وعاء يحتفظ به في قاعة تشبه الكنيسة.

8)مارتن سكورسيزي والوجه المظلم للرخاء الأمريكي
مارتن سكورسيزي
هو أحد أكثر المخرجين الأمريكيين تأثيرا. ففي الوقت الذي فقد فيه الكثير من مخرجي موجة هوليوود الجديدة تأثيرهم ونفوذهم، عبر دخول مشروعات كارثية وقودها الغرور، تمكن سكورسيزي من الحفاظ على اسمه طازجا، وطابعه الخاص في تقديم حياة شخصيات فظة وتافهة بطريقة مصقولة وإيقاع سريع. وفي معظم أفلامه، يتشابك موضوعان بشكل مستمر: الحلم الأمريكي، وطريق الوحشية والعنف المرتبط بمن يتمنون هذا الحلم ويستعدون لفعل أي شيء كي يبلغوه.

ما يحلم به كل أمريكي هو بالطبع فكرة عامة تتغير من شخص لآخر، فقد تكون التقدير الشخصي في "Raging Bull" و"The King of Comedy"، أو تكون امتلاك حس من الطهارة المنتهكة في "Taxi Driver" و"Gangs of New York". لكن ما يجمع كل شخصياته من "Goodfellas" وحتى "The Wolf of Wall Street"، هو ببساطة رغبتها في "المزيد".
المزيد من المال، من الممتلكات، من السلطة أو الحب أو المنازل الفخمة والسيارات الفارهة. المزيد من النساء بصدور أكبر، والمزيد من السعادة. كل ما يشاهده الناس في السينما والتلفزيون وعبر النافذة لكن لم يمتلكوه يوماً. والتراجيديا هي أن الآخرين يتمتعون بغنائمهم، غافلين عن كم الدماء التي سالت من أجل بلوغها.

المشهد الأخير لـ "Gangs of New York" يلخص الأمر: قبر بيلي الجزار يتلاشى بينما تزدهر مدينة نيويورك في جلال، وبقايا من ماتوا في الظل تجعل المدينة تلمع أكثر وأكثر.

9) فيدريكو فيلليني والمرأة
فيدريكو فيلليني
يعتبره الكثيرون المخرج الأكثر تعبيرا عن السينما الإيطالية. أفلام فيلليني عبرت عن الثقافة والحياة الإيطالية الجامحة ـ والمتناقضة غالباً ـ خلال القرن العشرين. "La Dolce Vita" و"Otto e Mezzo" و"Amarcord"، وأفلام عديدة غيرها صنعها لتؤثر في أخيال من المخرجين. أفلامه امتلأت دائما بشخصيات يحركها الوله والهوس، من كل العصور والأوضاع الاجتماعية.

من النخبوية الفنية في "La Dolce Vita" و"Otto e Mezzo" و"E La Nave Va"، إلى سحر التشرد في الماضي الرومانسي بأفلام "Satyricon" و"Amarcord" و"Roma". احتضن فيليني أغرب أشكال الواقع دون أن يقع في فخ المبالغة. لكن يظل هناك قلب في كل مجتمع، برغم أمراض الحداثة والسياسة والدين. هذا القلب هو المرأة.

لكنها ليست أي امرأة. فمثل شخصية مارشيللو ماستورياني في "Otto e Mezzo"، يبدو أن فيلليني أمتلك حريمه الخاص داخل خياله. فمن المعروف أنه كام مولعا بالمرأة الضخمة الخشنة الأمومية، مثل بائعة الدخان في "Amarcord"، لا ساراجينا في "Otto e Mezzo". لكنه أيضا احتفظ بمكان خاص للمرأة الرقيقة أثيرية الجمال مثل الزوجة البطلة في في الفيلم المذكور، أو نجمة السينما الأجنبية التي لعبتها أنيتا إيكبرج في "La Dolce Vita".

10) أكيرا كوروساوا والتباين بين الطفولة والموت
أكيرا كوروساوا
لم يترك مخرج إرثا يجسد خصوصيات الثقافة اليابانية بطريقة راقية وعالمية مثلما فعل أكيرا كوروساوا، مخرج "Seven Samurai" و"Yojimbo" و"The Throne of Blood"، وغيرها من الأفلام التي ساهمت في تشكيل أيقونة الساموراي في الوعي الجمعي للناس حول العالم.

الموتيفة المتكررة والرائعة التي تظهر كثيرا في أفلامه هي التناقض الصارخ بين براءة ونقاء الشباب، وبين من يتقربون من الفناء، خاصة من تمكنوا بواسطة أفعال التوبة والخلاص من بلوغ حالة النقاء مجدداً.

المثال الأبرز يظهر في فيلم "Ikiru"، حيث يكافح موظف محتضر كي يبني ملعبا حتى لا تصير حياته بلا معنى. كما يمكن العثور على الموتيفة في نهايات عدد من الأفلام، مثل الطفل اليتيم في "Rashomon"، الجدة في المطر مصحوبة بلحن شوبرت في "Rhapsody in August"، وموكب الجنازة في "Dreams". بشكل عام، يمكن أن ننظر للأمر باعتباره تجدداً واستمراراً للحياة، برغم الامتداد والنسيان.

11) تيري جيليام والصراع بين الحقيقة والخيال
تيري جيليام
عندما بدأ في "Monty Python’s Flying Circus"، لفت تيري جيليام الانتباه برسومه المتحركة الفوضوية التي خلقها بإعادة تدوير الصور الفوتوغرافية والبطاقات البريدية وقصاصات المجلات وأشياء أخرى، ليسخر من تقليدية البشر وتوقعاتهم. وعلى نفس النهج الساخر وجد جيليام نفسه على كرسي المخرج لأول مرة ليصنع "Monty Python and the Holy Grail". لكن صانعو السلسلة وجدوا سريعاً أن هوس جيليام بالاحترافية يعوق الكوميديا العفوية الخاصة بهم، فكان عليه أن ينتظر حتى يخرج "Time Bandits"، ليكون أول فيلم يحمله صوته السينمائي بشكل متكامل.

الفيلم يشكل مع "Brazil" و"The Adventures of Baron Munchausen" ثلاثية موضوعية، تتابع صراه الخيال في مختلف مراحل العمر (الطفولة والمراهقة والشيخوخة على التوالي)، صراع لم يتخل جيليام عنه أبدا، فأبطاله يميلون لأن يكونوا مارقين، حالمين، ومجانين بقدم في الواقع وأخرى في مكان آخر أفضل. مع ذلك، ورغم وجود الخيال في متناولهم أيديهم بفعل المخدرات والجنون والخيال أو القدوم من مكان وزمان مختلفين، يتمكن أبطاله من تكوين فهم أفضل لرتابة الحياة الغبية خارج عوالم خيالهم.

12) بول توماس أندرسون وتبعات النجاح
بول توماس أندرسون
فاجأ بول توماس أندرسون السينما في عمر السابعة والعشرين عام 1997 بإخراج فيلم "Boogie Nights"، ملحمة عن المتعة والانحطاط في صناعة البورنو بوادي سان فيرناندو خلال السبعينيات والثمانينيات، منحته صفة الطفل المعجزة التي لم تتشوه على مدار أفلامه التالية "Magnolia" و"Punch-Drunk Love" و"There Will Be Blood" و"The Master"، وكلها تقدم دراسة تأملية عميقة عن البشر والعزلة والنجاح.

معظم شخصيات أندرسون تتوق لإشباع معنً في حياتها، لكن الوصول لأهدافهم لا يجعل القلق يتلاشى، بل على العكس يجعل ألمهم أكثر وضوحا. ديرك ديجلر وممثلي البورنو في "Boogie Nights"، دانيل بلينفيو في "There Will Be Blood"، وفريدي كويل في "The Master" فعلوا ما يمكنهم لبلوغ الشهرة والمال والسلام الداخلي ـ على الترتيب ـ لكن أهدافهم تحولت إلا سجن، لم يتمكن أي منهم ـ باستثناء الأخير ـ من الهرب منه.

13) جوليرمو ديل تورو والآلات الميكانيكية
جوليرمو ديل تورو
متأثرا بالحكايات الخيالية والكتب المصورة وقصص الرعب، صنع المكسيكي جوليرمو ديل تورو أفلاماً ضخمة فائقة النجاح ومشروعات أصغر وأكثر خصوصية، ينفذ فيها رؤيته الخاصة الغريبة بحرية. القاسم المشترك بين أفلامه، بخلاف المتعلقات الدينية والوحوشة الحشرية، هو الخيال الميكانيكي لآلات تنتشر وتمتلك قوى أبعد من الإنسانية.

في فيلمه الطويلة الأول "Chronos"، تدور الحكاية حول آلة تشبه الخنفساء يمكنها أن تمنح الخلود لكنها تلعن من يستخدمها. وفي "Hellboy"، البطل كارل كورينان هو عالم نازي يعود بمزيج من السحر الأسود وآلات الديزل. الأمر الذي لا يختلف كثيرا عن يوهان كراوس بطل "Hell Boy II: The Golden Army"، الكيان الإكتوبلازمي الموضوع داخل حلة ميكانيكية.

حب ديل تورو لميكانيكية الساعات يأخذ أحيانا شكل أبعد من التجريد، ففي "Pan’s Labyrinth"، الكابتن فيدال ليس فقط مهووسا بساعة جيب والده، وإنما أيضا يضع مقره في طاحونة مهجورة. وبطبيعة الحال، لا يحتاج الآلي الخارق الذي يقوده البشر في "Pacific Rim" للكثير من التوضيح.

14) صوفيا كوبولا والإبعاد عن الراحة
صوفيا كوبولا
حياة صوفيا كوبولا كانت دائما محاصرة بالسينما، سواء أحبت ذلك أم لا. هي ابنة المخرج الشهير فرانسيس فورد كوبولا، لعبت دور ابن مايكل كوريليوني في مشهد التعميد الشهر بفيلم "The Godfather"، ولسوء الحظ، فقد نالت الشهرة لأول مرة بشكل سيئ بدورها الذي تعرض لانتقادات واسعة في الجزء الثالث من السلسلة الشهيرة، حينما أعتبر النقاد أن المخرج الكبير يحابي ابنته بدور أكبر من قدراتها. برغم هذا، تمكنت صوفيا من الخروج من ظل والدها، ونيل سمعة طيبة بإخراج أفلام مثل "The Virgin Suicides" و"Lost in Translation" و"Marie Antoinette".

ربما تأثرا بنشأتها داخل هوليوود، تظهر أفلام صوفيا كوبولا عادة نفس الاهتمامات: الناس ـ عادة النساء ـ الذين وبرغم امتلاكهم كل ما يمكن أن يحلموا به، يشعرون بأنهم حبيسي امتيازاتهم الخاصة. الأزمات الوجودية الصامتة الطويلة شائعة في أفلامها، وغالبا ما ترتبط بمحاولة العثور على شخص أو شيء خارج القفص الذهبي الذي تعيش فيه الشخصية، أو إذا ما كان الخلاص أمراً لا مفر منه لأنه عادة ما يحدث لهم، فعلى الأقل يمكنهم أن يكذبوا على أنفسهم لبضع لحظات ذهبية.

15) جاي مادين وكندا القديمة
جاي مادين
في الزمن الحالي، القليل من المخرجين يمكنهم الدعوة لحركة سينمائية جذرية كالسوريالية، لكن جاي مادين مختلف عن الكثير من صناع الأفلام. مادين المولود في وينيبيج الكندية عُرف بأفلامه التجريبية، التي يستخدم فيها عامة أساليب وتقنيات تعود للعشرينيات والثلاثينيات. على سبيل المثال " Brand upon the Brain!" ليس فقط مصوّر بالأبيض والأسود وبصورة بدائية غامضة. لكنه، ودون حساب بعض الصخب أحيانا والتعليق الصوتي لمونيكا بيلوتشي، هو فيلم صامت بالكامل.

عنصر آخر لا يقل أهمية في أفلام مادين هو الهوية الكندية، خلق حلم مرئي قابل للتصديق عن كندا القديمة. فيلمه الطويل الأول "Tales from Gimli Hospital"، يعرض جدة تحكي لشقيقين حكايات قديمة عن الأيسلنديين الذين سكنوا جيملي في الماضي البعيد. نفس الشيء نجده في "My Winnipeg"، الذي مزج فيه عدداً من الأحداث التاريخية للمدينة مع وقائع من تاريخ عائلته الخاص، دون أن يميز بين الواقع والخيال.

نموذج خيالي آخر لمدينة وينيبيج يظهر في "The Saddest Music in the World" الذي تدور أحداثه في العام 1933. وفيه تعيش نسخة خيالية من المخرج في دار للأيتام بمدينة نائية، وتتأرجح الأحداث بغموض بين الماضي والحاضر والمستقبل، الواقع والخيال، وبشكل أو بآخر كندا.

comments powered by Disqus

2004-2015 © FilFan.com يتم تطويره وإدارته بواسطة

clicking on ".search-btn" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close, .confirm" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".social-btn" adds class "open" on "#social-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#social-overlay"